إيلاف - 3/22/2026 2:25:05 AM - GMT (+3 )

بعد الحلقة السابقة، لا بدَّ من الحديث تاريخياً عن التشيع، وكذلك الفرق بين التشيعين العربي والفارسي بشكلٍ أكاديميٍّ حياديٍّ وموضوعيٍّ في أكثر من ألفٍ ومائتي مصدرٍ ومرجعٍ.
ليست دراسة التشيع أمراً هيّناً، فقد شطح فيه العباقرة والعلماء والكبار على مرِّ التاريخ.
ومن المعيب على القنوات الفضائية وضع خبيرٍ ومستشارٍ في إيران، وهو لا يفقه التشيع، وإنما عرفه سماعاً من الخارج، فعندها يشطح شطحاتٍ، ويخطئ الخطايا في تحليلاته واستنتاجاته العجيبة الغريبة؟!
إنَّ الكثير من الدراسات المقدمة عن التشيع من غير الشيعة، سواء علماء السنة أو الأكاديميين الغربيين، قد وقعوا في خطايا كبيرة، حيث يقول "بوكر" في "قاموس أوكسفورد" المعتمد أكاديمياً: "إنَّ الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر هو علي السامرائي". بينما يقول ابن خلدون في مقدمته: "الإمام العسكري اسمه محمد، وقد اختفى المهدي المنتظر في الحلة". بينما يعتقد الزركلي في الإعلام: "أنَّ المهدي المنتظر لما بلغ التاسعة عشرة اختفى في السرداب". وكتب ابن القيم وابن حجر وابن عربي وآخرون أنَّ جد المهدي هو الحسن لا الحسين، وكتب جهابذة علمائهم أنَّ الشيعة يقولون في الصلاة: "خان الأمين"، وعندهم في بيوتهم قرآناً مختلفاً هو "مصحف علي" أو "مصحف فاطمة"، وفي عاشوراء وبعض المناسبات يجتمع نساء ورجال الشيعة بشكلٍ حرامٍ ليلدوا السيد، وأنَّ الشيعة يتوضؤون ويغتسلون بالنجاسات، وغيرها من الأكاذيب والافتراءات والتهم الباطلة التي ما أنزل الله بها.
لا شكَّ أنَّ التشيع قد ارتبط بالإمام علي بن أبي طالب تاريخياً، ونُسب إليه، من هنا كان لا بدَّ من دراسة هذه الشخصية بدقةٍ وعنايةٍ وعمقٍ من مختلف جوانبها.
في الحقيقة، يُعتبر التشيع العربي هو الأصل والأقدم تاريخياً، لأنه يعود إلى العصور الأولى من الإسلام، لا سيما في حياة الإمام علي بن أبي طالب، ومحاولة دراسة حياته الصحيحة من أفعاله وأقواله، والظروف التي أحاطت به في مرحلةٍ حساسةٍ وصعبةٍ جداً من مراحل التاريخ، لاسيما فيما سُمّي لاحقاً بـ "الفتنة الكبرى"، وذلك بعد تطهير سيرة الإمام علي مما نُسب إليها لاحقاً من ثقافاتٍ غريبةٍ من الكراهية والبغضاء والطقوس الغريبة في العقيدة والفقه والفكر والممارسات المنسوبة زوراً إلى الإمام علي، وهو منها براءٌ براءةَ الذئب من دم يوسف.
لا شكَّ أنَّ بغداد كانت سنية، وكذا عشرات المدن الجنوبية في العراق، حتى غزتهم الدولة الفارسية وخطباء المنبر الحسيني الذين غسلوا عقولهم، وحولوهم إلى شيعةٍ يؤمنون بطقوسٍ وعاداتٍ وثقافة كراهية لا يعرفها الإمام علي بن أبي طالب وتشيعه العربي.
لا شكَّ أنَّ هذه الانحرافات العجيبة والغريبة لم تأتِ بين ليلةٍ وضحاها، وإنما مرت بأحقابٍ وفتراتٍ وتطوراتٍ على مراحل كثيرةٍ تراكميةٍ تواصليةٍ لفترة ألفٍ وأربعمائة عامٍ متراكمة، ينبغي دراستها مرحلةً مرحلةً بشكلٍ تحليليٍّ نقديٍّ هادفٍ، وهو ما قام به هذا الكتاب.
وباعتبار الإمام علي بن أبي طالب من بني هاشم، وهم أقحاح العرب، سُمّي هذا التشيع بـ "التشيع العربي".
أما "التشيع الفارسي"، فيُقصد به ما تمَّ إدخاله لاحقاً في التشيع، ولم يكن موجوداً فيه، لاسيما دور الفرس التاريخي في ذلك، كالحكومات الفارسية التي حكمت لاحقاً إيران والعراق، وباعتبار لديها السلطة والسطوة والمال والحكم والنفوذ، استطاعت إدخال ذلك الجديد في التشيع، ولو عنوةً وبالقوة والسيف وسفك الدماء، وبمرور الزمن بات جزءاً من التشيع كما توهمه اللاحقون، بينما الأصل ينكره تماماً، لاسيما الإمام علي بن أبي طالب في سيرته العطرة.
مشكلة معظم من حاول دراسة هذا الموضوع، من الشرق أو من الغرب، رجال دينٍ أو أكاديميين شرقيين أو غربيين أو مستشرقين أو مستغربين، أنَّ الغالبية منهم قد أخذت فترةً زمنيةً معينةً لدراسة الموضوع والخروج بنتيجةٍ معينةٍ، وهنا تكون الدراسة ناقصة، لأنها تناولت فترةً زمنيةً معينةً وتركت فترةً أو فتراتٍ أخرى، وغفلت عن تأثيراتها الكبيرة.
كما أنَّ بعض ما كُتب من غير الأكاديميين تتناوله العاطفة أكثر من العقل والدراسة والتحقيق، لتكون النتيجة محكومةً سلفاً بحكم العاطفة لا العقل والموضوعية والحياد.
لا شكَّ أنَّ هناك دراساتٍ أكاديميةً تستحق الاهتمام، وقدمت دراساتٍ بحثيةً جامعيةً معروفةً درسها الكتاب بعمق، لكنها لا تخلو من الإشكال نفسه، وهو تناول جوانب تاريخيةٍ معينةٍ كالمرحلة الصفوية، وإهمال مراحل تاريخيةٍ مهمةٍ للبحث، مما يجعل الخلل واضحاً وكبيراً، كما يعالجها كتاب "التشيع العربي والتشيع الفارسي"، لأنه يتناول كل تلك الفترات، حتى المغيبة منها ذات التأثير العظيم والكبير.
وأما في الشرق، فلعلَّ أشهر ما كُتب وعُرف هو كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي" لعالم الاجتماع والمفكر الإيراني علي شريعتي، حيث اعتبر ما يمارسه الإيرانيون اليوم من التشيع لا علاقة للإمام علي بن أبي طالب به، وإنما من صنع إسماعيل الصفوي والدولة الصفوية. فالعادات والتقاليد موروثة عن الصفويين، وهي بدعٌ وطقوس دجلٍ وانحرافٍ وضلالٍ بحسب شريعتي.
الكتاب، كبقية أكثر كتب شريعتي، منقولٌ من الكاسيتات لمحاضراتٍ ألقاها شريعتي بمناسباتٍ مختلفةٍ، وليست كتاباً يدونه بيده ويذكر المصادر والمراجع فيه.
إذن كتاب شريعتي مأخوذٌ من محاضراته في "حسينية إرشاد" بشمال طهران، وهي مركز التنوير والإصلاح في إيران، يرتادها أعظم الإصلاحيين المفكرين، أمثال مرتضى مطهري وحسين نصر وعلي شريعتي، وهذا الأخير أفضلهم وأعظمهم وأقواهم، حتى في الكاريزما والخطابة.
كتاب شريعتي فيه الكثير من التكرار، وليس فيه أي مصدرٍ أو مرجعٍ، فهي محاضراتٌ عامةٌ اجتماعيةٌ يحاضرها عالم الاجتماع.
ولقوة محاضراته وتأثيرها، أصدر الفقهاء فتاوى ضده، بحجة مهاجمة التشيع والشعائر الحسينية، وتصدى ضده رجل الدين المتشدد مرتضى العسكري، الذي حارب أيضاً عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، وأصدر مرتضى العسكري (زعيم حزب الدعوة العراقي والمنظر الفكري للتشيع الفارسي ومؤسس كلية أصول الدين في العراق وإيران لتحويل السنة إلى شيعةٍ متعصبين) كتابين، الأول ضد شريعتي، والثاني ضد علي الوردي.
طبعاً كتاب شريعتي يحمل الكثير من الأخطاء جداً، تناولتها في محلها، لكن المهم هو توهم شريعتي، كما توهم الأكاديميون الغربيون، بأنَّ انحراف التشيع جاء زمن الدولة الصفوية، وسمّى التشيع الموجود عند الإيرانيين اليوم هو "التشيع الصفوي"، أي تشيع إسماعيل الصفوي، الذي تحول من التسنن إلى التشيع لمحاربة الدولة العثمانية السنية، هذا التشيع الصفوي لا يعرفه الإمام علي بن أبي طالب (التشيع العلوي)، وهو بريءٌ منه كلياً.
بينما الحقيقة التي يجهلها شريعتي والأكاديميون الغربيون أنَّ هناك مراحل أهم أثرت على التشيع وانحرافه، تناولتها في كتابي بالتفصيل.
وأما الأمة، فقد هاجمت شريعتي كما هاجمتني، وحاربتني، وحاولت الإساءة إليَّ بمختلف الوسائل والطرق زماناً ومكاناً، لدرجة محاولة الاغتيال والاختطاف.
وأقول كما قال المعري:
ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً
تجاهلت حتى ظن أني جاهل
إقرأ المزيد


