طارق كفالة… إدارة هادئة في قلب تحولات BBC الكبرى
إيلاف -

إيلاف من لندن: في منطقةٍ تتبدّل خرائطها السياسية بسرعة نشر التغريدة، لم يعد يكفي أن تمتلك منصة إعلامية؛ عليك أن تمتلك أعصاباً باردة.
من هذا المنظور يمكن قراءة الدور الذي يتولاه طارق كفالة اليوم كمدير إقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيئة الإذاعة البريطانية.

لسنا أمام مدير تقني، ولا أمام صحفي تحوّل إلى بيروقراطي. بل أمام شخصية تمزج بين خبرة غرفة الأخبار وحسابات الإدارة العليا في BBC World Service — في لحظة تشهد فيها المؤسسة أحد أكبر تحوّلاتها الهيكلية منذ عقود.

من مركزية لندن إلى ثقل الأقاليم

التحول الذي بدأ يتبلور في 2025 لم يكن إجراءً تنظيمياً عادياً. نموذج “الأقاليم الستة” أعاد توزيع القرار التحريري والمالي إلى مناطق العالم نفسها.
بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يعني ذلك أن القيادة لم تعد تدار من مسافة زمنية وثقافية، بل من داخل الإقليم نفسه.

في زمن تُتهم فيه المؤسسات الدولية بالانفصال عن السياق المحلي، تبدو هذه الخطوة أقرب إلى إعادة تعريف العلاقة مع الجمهور: ليس كمتلقٍ، بل كشريك في المعنى.

هنا تظهر بصمة كفالة الإدارية:
إدارة ميزانيات إقليمية مستقلة، خطوط مساءلة مباشرة، وسرعة استجابة للأزمات لا تمر بسلسلة بيروقراطية طويلة.

النتيجة؟
مرونة أكبر في التعامل مع أحداث متسارعة، من انقطاعات الإنترنت إلى التحولات السياسية المفاجئة.

الأرقام… ولكن بحذر

بحلول 2025، كانت الخدمة العالمية تقترب من 450 مليون متابع أسبوعياً، مع نمو ملحوظ في جمهور “بي بي سي عربي” وصل إلى قرابة 40 مليوناً.
لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، بل في دلالتها:
رغم الضغوط السياسية والبيئة الإعلامية المشبعة بالمحتوى، ما زال الجمهور يبحث عن مصدر مستقر للمعلومة.

النمو هنا لا يُقرأ كانتصار رقمي فحسب، بل كإشارة إلى أن الثقة — حتى وإن تراجعت عالمياً — لم تختفِ تماماً.

الذكاء الاصطناعي… تحت الرقابة لا في الصدارة

عام 2026 ليس عاماً للدهشة التقنية؛ هو عام التنظيم.
التجارب التي أطلقتها الخدمة العالمية في الترجمة المعززة بالذكاء الاصطناعي لم تُقدَّم بوصفها بديلاً عن الصحفي، بل كأداة توسّع مدروسة.

المعادلة التي يدافع عنها كفالة بسيطة في ظاهرها:
التقنية تسرّع الوصول، لكن الإنسان يحسم المعنى.

في بيئة لغوية معقدة كالشرق الأوسط، حيث تحمل الكلمات أوزاناً سياسية وثقافية دقيقة، تبدو هذه المقاربة أقرب إلى ضرورة مهنية منها إلى خيار تجميلي.

العودة إلى الراديو… حين تفرض الجغرافيا شروطها

في مفارقة لافتة، شهدت السنوات الأخيرة عودة قوية للبث الإذاعي الطارئ في مناطق شهدت قيوداً رقمية.
الرسالة هنا واضحة: الإعلام الفعّال لا يقدّس منصة بعينها، بل يبحث عن الجمهور حيث هو.

تحت الإدارة الإقليمية الجديدة، أصبحت القدرة على إطلاق خدمات سريعة في أوقات الأزمات جزءاً من فلسفة العمل، لا استثناءً مؤقتاً.

وهذا يعكس تحوّلاً في التفكير:
الاستراتيجية لم تعد رقمية حصراً، بل متعددة الوسائط — مرنة بما يكفي لتجاوز الانقطاعات السياسية والتقنية.

قيادة بلا ضجيج

ما يميز أسلوب كفالة ليس الحضور الإعلامي الصاخب، بل الميل إلى العمل داخل البنية.
هو يمثل جيلاً من القادة الذين يدركون أن التأثير المستدام لا يصنعه التصريح الحاد، بل القرار الإداري المتوازن.

في منطقة تُحمّل الإعلام أدواراً تفوق طاقته أحياناً، يظل التحدي الأكبر هو الحفاظ على المعايير المهنية وسط استقطاب حاد.
والرسالة التي تسعى القيادة الإقليمية إلى ترسيخها اليوم تبدو واضحة:
الاستقلالية ليست شعاراً، بل عملية يومية تتطلب إدارة دقيقة، ووعياً بالسياق، وقدرة على التكيّف دون التفريط بالثوابت.

ما الذي يعنيه هذا للمنطقة؟

ربما الأهم من كل الأرقام والنماذج الإدارية هو هذا التحول في موقع المنطقة داخل المؤسسة العالمية.
وجود إدارة إقليمية قوية يعني أن صوت الشرق الأوسط لم يعد يُدار من الهامش، بل من موقع قرار.



إقرأ المزيد