دليل تشخيصي جديد للاضطرابات النفسية.. ما الذي يميّزه عن سابقه؟
س-ن-ن بالعربية -

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- قريبًا، ستكون الطريقة المعتمدة لتشخيص إصابة شخص باضطراب نفسي مختلفة جدًا، وذلك بعدما أعلنت الجمعية الأمريكية للطب النفسي، الأربعاء، أنها تعيد وضع تصوّر للدليل الرئيسي الذي يعتمده الأطباء في تشخيص الصحة النفسية. 

وسيحصل الدليل التشخيصي والإحصائي على اسم جديد، كما تشارك أصوات جديدة في صياغة محتواه ووضع مقاربة حديثة له تُضيف مستويات أخرى خلال عملية التشخيص.

ويأمل القيّمون على المشروع أن يتحوّل ما يسميه البعض "إنجيل الطب النفسي" إلى ما يشبه دليلًا إرشاديًا لاضطرابات الصحة النفسية، فيكون أكثر شمولًا وديناميكية وتعليمًا، ما يساعد المرضى على تلقي علاجات أكثر فاعلية.

كيف يُستخدم هذا الدليل الجديد؟ 

يؤثّر الاضطراب النفسي على أفكار الفرد وسلوكه، وقد يُسبّب ضيقًا مستمرًّا أو يُضعف قدرته على أداء وظائفه اليومية. وتختلف أسباب إصابة شخص باضطراب نفسي معيّن، إذ تنبع من مزيج معقّد من كيمياء الدماغ، والعوامل الوراثية، وتجارب الحياة، وبيئة الفرد.

وبخلاف العدوى التي يستطيع الأطباء تشخيصها عبر فحص دم موضوعي يحدّد البكتيريا أو الفيروس المسبّب للمشكلة، لا تتوافر اختبارات بسيطة كثيرة لتحديد نوع الاضطراب النفسي الذي يعاني منه الشخص.

قد يهمك أيضاً

لهذا السبب، أنشأ الأطباء النفسيون دليلَ تشخيص الاضطرابات النفسية والإحصاء، المعروف اختصارًا باسم DSM، لتصنيف الاضطرابات النفسية، ووضع معايير التشخيص، وتقديم نصوص وصفية تساعد الاختصاصيين على الوصول إلى تشخيص مناسب استنادًا إلى ملاحظاتهم لأعراض المريض.

وتشير الأبحاث إلى أنّ أكثر من نصف الناس سيختبرون اضطرابًا نفسيًا في مرحلة ما من حياتهم.

ويُعد إطلاق تسمية تشخيصية على الاضطراب النفسي أمرًا أساسيًا، لأنّه يُمكّن الأطباء من معرفة كيفية علاج المريض. كما يؤدي هذا الدليل دورًا مهمًا لأسباب عملية، مثل الفوترة والتأمين.

ولا يقتصر استخدام الدليل على الأطباء النفسيين فقط، بل يُعتبر أساسيًا لفهم مفهوم الاضطرابات النفسية. ويوفّر لغة مشتركة للمرضى والباحثين وشركات التأمين والمحامين وغيرهم، لجهة تحديد مشاكل الصحة النفسية المختلفة.

وتضم النسخة الحالية، DSM-5-TR، أكثر من 300 نوع من الاضطراب النفسي، مثل: الفصام، واضطراب الوسواس القهري، واضطراب استخدام الكحول.

ورغم أنّ الجمعية الأمريكية للطب النفسي تحدّث الدليل بانتظام ليعكس أحدث ما توصّل إليه العلم، فإن آخر تحديث يعود للعام 2022. وعلى مر السنين، واجه الدليل انتقادات حادة، إذ يرى بعضهم أنه غير علمي بما يكفي، فيما يرى آخرون أنه غير محدد أو غير عملي.

ولتحسين الدليل، لجأت الجمعية إلى مصدر إلهام غير متوقّع: منتقدوها أنفسهم.

وقالت الدكتورة ماريا أوكيندو، رئيسة اللجنة الاستراتيجية لمستقبل دليل DSM في الجمعية، مازحة: "المنتقدون صاخبون، لذلك يصعب جدًا تجاهلهم"، مضيفةً أنّ الجمعية تحدثت مع عدد منهم لفهم كيفية تحسين الدليل. وقالت: "نحن لا نمتلك أفضل الأفكار جميعها، وإذا كانت موجودة في مكان ما، فنحن نريد أن نسمعها".

ما الذي سيتغير في دليل DSM؟

أحد أول التغييرات التي أعلنتها الجمعية اسم الدليل. فاعتبارًا من الآن، سيشير اختصار DSM إلى Diagnostic Science Manual of Mental Disorders، أي الدليل العلمي التشخيصي للاضطرابات النفسية.

وعندما أنشأت الجمعية الدليل لأول مرة في خمسينيات القرن الماضي، كان كثير من الناس يعيشون في مؤسسات علاجية، بحسب أوكيندو. وكان صانعو السياسات العامة الذين موّلوا تلك المؤسسات يريدون تتبّع أعداد المصابين باضطرابات معينة، لكن في عصر إنهاء الإيواء المؤسسي، لم تعد الأرقام بقدر الأهمية ذاته.

قد يهمك أيضاً

ولإعداد الدليل، تجمع الجمعية مئات الخبراء من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التعريفات والعلاجات، إضافة إلى إجراء تجارب ميدانية واختبارات. ومن أكبر التغييرات المقبلة دعوة أشخاص لديهم تجربة مع تشخيص معين للانضمام إلى لجان الجمعية والمشاركة في صياغة الأوصاف التشخيصية.

وتشمل التغييرات أيضًا الأخذ بالاعتبار جوانب أوسع من حياة الشخص عند وضع التشخيص.

وقال الدكتور جوناثان ألبرت، نائب رئيس اللجنة الاستراتيجية لمستقبل DSM، إنه لطالما انصبّ التركيز التقليدي للدليل على الخصائص والأعراض الملحوظة، أي "على كيفية ظهور الأمور، عوض آلياتها الكامنة".

وأضاف ألبرت الذي يرأس أيضًا قسم الطب النفسي والعلوم السلوكية بكلية ألبرت أينشتاين للطب في جامعة مونتيفيوري: "تعكس الاضطرابات النفسية، كما نفهمها اليوم، تفاعلًا معقدًا يشمل جميع سمات الحالة الإنسانية تقريبًا، من عوامل بيئية، واجتماعية، واقتصادية، وثقافية وإنمائية، إلى العوامل البيولوجية".

ولا تهدف المقاربة الجديدة إلى استبدال تشخيص معين، بل إلى إضافة طبقة أخرى للتشخيص تأخذ في الحسبان السياق والخبرة الحياتية.

وقالت الدكتورة ديانا كلارك، المديرة الأولى للأبحاث في الجمعية، إن التعرض لسوء معاملة في الطفولة، على سبيل المثال، قد يكون له أثر عميق في المرض النفسي، مضيفة أنّ العوامل المؤثرة في الاضطرابات النفسية "لا تحدث من فراغ".

لطالما كانت خلفية الشخص وتجربته جزءًا من تشخيص المرض النفسي، لكن إبرازها بشكل أوضح سيساعد الطبيب على "النظر إلى الشخص ككل، وليس فقط إلى الأعراض".

وأوضحت كلارك أن كيفية جعل هذه التغييرات المقترحة عملية لا تزال قيد البحث: "نعرف أننا نحتاج إلى الإيجاز حتى يتمكن الطبيب من استخدام الدليل، لكن أي شيء موجز قد يؤدي أيضًا إلى نوع من التبسيط المفرط".

كما تسعى الجمعية إلى دمج العوامل البيولوجية بشكل أفضل في الدليل. رغم عدم وجود اختبار جيني لاضطراب الوسواس القهري حتى الآن، فإن الهدف يتمثل بجعل الدليل مرنًا بما يكفي لاستيعاب تقنيات قد لا تكون موجودة بعد.

وقال ألبرت: "وصلنا في الطب النفسي إلى مرحلة لا نكتفي فيها بالسؤال إذا المؤشرات الحيوية يجب أن تكون جزءًا من DSM، بل كيف يمكن إدخالها بطريقة شفافة، ومفيدة أخلاقيًا وسريريًا".

لا جدول زمني محدد للتغييرات الكبرى:

لا يوجد جدول زمني لإدخال هذه التغييرات الكبرى على دليل DSM. وغالبًا ما تستغرق التعديلات سنوات، لكن الجمعية قالت إنها بدأت بالفعل محادثات مع شركات التأمين بشأن هذا التحول.

قد يهمك أيضاً

وقال الدكتور دانيال مورهد، طبيب نفسي لا يعمل على مشروع الدليل، إن تصنيف الاضطرابات النفسية ليس أمرًا سهلًا. وأضاف: "أعقد جسم مادي نعرفه في الكون هو الدماغ البشري، لذلك لن نؤطره في بضع فئات صغيرة مرتبة".

ويأمل مورهد أن تجعل الجمعية الدليل وثيقة أكثر ديناميكية تأخذ الشخص كاملًا بالاعتبار، وليس أعراضه فقط. 

وأعربت أوكيندو عن اعتقادها بأن الجمعية قادرة على إنجاز المهمة، لافتة إلى ضرورة أن "نكون عمليين وصارمين علميًا ومتطلعين إلى الأمام. علينا أن ننجز الأمر بالشكل الصحيح، الأمر الذي قد يستغرق بعض الوقت، لكننا سنحاول إنجازه بأسرع ما يمكن لأن المجال بات مهيئًا لهذه الخطوة".



إقرأ المزيد