49 مبادرة في خارطة طريق الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الرقمي حتى 2030
الوطن نيوز -
سيد حسين القصاب

لم يعد التحول الرقمي في مملكة البحرين مقتصراً على رقمنة الخدمات الحكومية أو تطوير البنية التحتية للاتصالات، بل أصبح جزءاً من توجه اقتصادي أوسع يستهدف بناء اقتصاد قائم على التكنولوجيا والابتكار والبيانات والذكاء الاصطناعي، خاصة مع وجود 49 مبادرة في خارطة طريق الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الرقمي حتى 2030.

ومع تسارع الاستثمارات في البنية الرقمية، وتوسع استخدام التقنيات الناشئة، وارتفاع الاعتماد على الخدمات الرقمية في القطاعين العام والخاص، تتشكل أمام المملكة مجالات جديدة للنمو والاستثمار وتطوير المهارات الوطنية.

وتعكس المؤشرات الدولية الحديثة مستوى التطور الذي وصلت إليه المملكة في هذا المجال، ووفقاً لوزارة المواصلات والاتصالات، نقلاً عن نتائج مؤشر تنمية تقنية المعلومات والاتصالات الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات لعام 2026، حققت البحرين المركز السادس عالمياً من بين 159 دولة، متقدمة ثلاثة مراكز مقارنة بالعام السابق، ورفعت نتيجتها الإجمالية إلى 98%.

كما سجلت المملكة 99.1 نقطة في ركيزة الاتصال الشامل، و97 نقطة في ركيزة الاتصال الهادف، فيما حققت الدرجة الكاملة، بواقع 100 نقطة، في مؤشرات نسبة مستخدمي الإنترنت، ونسبة الأسر المتصلة بالإنترنت، وتغطية شبكات النطاق العريض المتنقل، ونسبة امتلاك الهواتف المتنقلة.

وتتحرك المملكة ضمن إطار استراتيجي واضح للتحول نحو الاقتصاد الرقمي، من خلال الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الرقمي، التي تستهدف تعزيز مكانة البحرين كمركز اقتصادي رقمي متكامل، وتهيئة بيئة محفزة للاستثمار الرقمي، ودعم الابتكار في القطاعات الحيوية.

ووفقاً لهيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية، تتضمن خارطة الطريق للاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الرقمي تنفيذ 49 مبادرة حتى عام 2030، فيما شهدت المرحلة الأولى استكمال عدد من المبادرات الوطنية المرتبطة بالتحول الرقمي والابتكار والتقنيات الناشئة.

وأوضحت الهيئة أن من بين المبادرات التي تم تنفيذها تأسيس جهة رسمية معنية بالذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، تمثلت في إدارة الابتكار والتقنيات المتطورة بهيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية، إلى جانب رفع نسبة البعثات الدراسية في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات «STEM» إلى أكثر من 84% من إجمالي البعثات خلال العام الأكاديمي 2023-2024، ومواءمة استراتيجية الأمن السيبراني مع أهداف الاقتصاد الرقمي.

وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية اقتصادية؛ لكونها لا تركز على قطاع التكنولوجيا بمعزل عن بقية الاقتصاد، وإنما تستهدف توظيف التقنيات الرقمية في قطاعات متعددة تشمل الخدمات المالية، والسياحة، والصناعة، وتكنولوجيا المعلومات، والخدمات اللوجستية، والرعاية الطبية، بما يجعل التحول الرقمي أداة لتطوير قطاعات اقتصادية قائمة وفتح مجالات جديدة للنشاط والاستثمار.

ويبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أبرز المجالات التي تراهن عليها المملكة ضمن مسار الاقتصاد الرقمي، حيث أدرجت البحرين الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة ضمن المكونات الرئيسية لاستراتيجية الاقتصاد الرقمي، بالتزامن مع تسريع تطوير الخدمات القائمة على الذكاء الاصطناعي، ودعم منظومة الابتكار وريادة الأعمال.

وبحسب هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية، أنشأت الهيئة مختبر الابتكار لدعم الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجهات الأكاديمية في تطوير نماذج أولية ومشاريع تجريبية قائمة على الذكاء الاصطناعي.

كما أشارت الهيئة في مايو 2026 إلى إطلاق مئات الجلسات التوعوية حول الذكاء الاصطناعي في الجهات الحكومية والمؤسسات التعليمية، إلى جانب مبادرات لتطوير المواهب المتخصصة، من بينها برنامج مواهب الذكاء الاصطناعي وأكاديمية الذكاء الاصطناعي في «بوليتكنك البحرين» بالتعاون مع «مايكروسوفت»، إضافة إلى تنظيم الهاكاثونات المتخصصة.

وبيّنت الهيئة أن هذا المسار شمل كذلك تطوير نماذج أولية لتطبيق الذكاء الاصطناعي في مجالات حكومية واقتصادية، من بينها نظام لتحليل البيانات التجارية والاقتصادية، ومساعد افتراضي توليدي للخدمات الحكومية، ونظام للتحقق الذكي من الوثائق، إلى جانب مشاريع أخرى قيد التطوير.

ويعني ذلك أن الفرص المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تقتصر على تطوير التطبيقات، وإنما تمتد إلى تحليل البيانات، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، وتطوير البرمجيات، وأتمتة العمليات، والخدمات الرقمية المتخصصة.

ويمثل القطاع المالي إحدى أبرز ساحات التحول الرقمي في المملكة، خصوصاً مع توسع استخدام المدفوعات الإلكترونية والتقنيات المالية «FinTech».

وبحسب بيانات مصرف البحرين المركزي، بلغت معاملات نقاط البيع خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2025 نحو 170.4 مليون معاملة، بزيادة قدرها 22.2% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، فيما بلغت القيمة الإجمالية لهذه المعاملات 3.4 مليار دينار بحريني، بزيادة 13.6% على أساس سنوي.

وشكلت المعاملات اللاتلامسية 77.6% من عدد معاملات نقاط البيع، و51.7% من قيمتها خلال الفترة نفسها. وتكشف هذه الأرقام عن حجم الاعتماد المتزايد على أدوات الدفع الرقمية، في وقت يواصل فيه مصرف البحرين المركزي تطوير البيئة التنظيمية للتقنيات المالية، بما في ذلك الأطر الخاصة بخدمات الدفع والتقنيات المالية الناشئة.

كما يمثل وجود البيئة الرقابية التجريبية «Regulatory Sandbox» إحدى الأدوات التي تتيح اختبار الحلول المالية المبتكرة ضمن إطار تنظيمي، بما يوفر مساحة أمام شركات التكنولوجيا المالية لتطوير منتجاتها واختبارها قبل طرحها في السوق وفق المتطلبات التنظيمية المعتمدة.

وفي سياق متصل، يشير تقرير المهارات في قطاع التكنولوجيا المالية الصادر عن «تمكين» إلى تنامي الحاجة إلى تخصصات تشمل تحليل الأعمال، وعلوم البيانات، والبنية التحتية، وتصميم تجربة المستخدم، وأتمتة العمليات، وهندسة الأوامر، والأمن السيبراني، وخصوصية البيانات والامتثال.

ولا يمكن بناء اقتصاد رقمي متقدم من دون قاعدة قوية من البيانات والبنية التحتية السحابية، وهو ما يظهر في توجه البحرين نحو توسيع استخدام الحوسبة السحابية وتطوير منصات البيانات.

ووفقاً لهيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية، قطعت البحرين خطوات متقدمة في تبني الحوسبة السحابية، باعتبارها بيئة داعمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الجهات الحكومية، فيما يواصل مختبر الابتكار تطوير واختبار الحلول التقنية القائمة على الذكاء الاصطناعي.

وفي مجال البيانات المفتوحة، أوضحت الهيئة أن منصة البيانات المفتوحة «data.gov.bh» تضم أكثر من 460 مجموعة بيانات منشورة لـ44 جهة حكومية، فيما تجاوز إجمالي زيارات المنصة 15 مليون زيارة، وبلغ عدد مرات تنزيل الملفات المتاحة أكثر من 232 ألف مرة.

وتشمل البيانات الأكثر طلباً الإحصاءات الديموغرافية، والاستثمارات الأجنبية المباشرة حسب الدولة، ومؤشر أسعار المستهلك، إلى جانب التقارير الإحصائية ذات السلاسل الزمنية.

وتوفر هذه البيئة مجالاً لتطوير حلول تعتمد على البيانات، سواء في التحليل الاقتصادي أو الخدمات الحكومية أو التطبيقات التجارية، كما تدعم الشركات والباحثين في الوصول إلى بيانات رسمية يمكن استخدامها في تطوير منتجات وخدمات رقمية.

ومع توسع الاقتصاد الرقمي، يصبح توفر الكفاءات المتخصصة أحد العوامل الأساسية لاستمرار هذا التحول، وهو ما يفسر تركيز الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الرقمي على تطوير المهارات والتعليم والتدريب.

وبحسب منصة «كوادر» التابعة لتمكين، توفر المنصة قاعدة وطنية للكفاءات المحلية المتخصصة في مجال التقنية والتكنولوجيا، بهدف الربط بين أصحاب الأعمال والكوادر المتخصصة، وعرض الوظائف المتاحة والمهارات المطلوبة لشغلها.

كما تحدد تقارير المهارات في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مجالات مثل علوم البيانات، والذكاء الاصطناعي التوليدي، وتطوير البرمجيات، و«DevOps»، والأمن السيبراني، وتصميم تجربة المستخدم، والبلوك تشين، ضمن المجالات المرتبطة بالتطورات التقنية والاحتياجات المستقبلية للقطاع.

وفي الجانب التعليمي، أشارت هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية إلى أن نسبة البعثات الدراسية في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات «STEM» تجاوزت 84% من إجمالي البعثات خلال العام الأكاديمي 2023/2024، في مؤشر على التركيز على التخصصات المرتبطة بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

ويمتد الاقتصاد الرقمي إلى القطاع الحكومي نفسه، إذ حققت البحرين تقدماً في مؤشرات الحكومة الرقمية الدولية.

ووفقاً لهيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية، أظهر مؤشر نضج التكنولوجيا الحكومية لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي، حصول البحرين على المركز الثاني إقليمياً والـ15 عالمياً من بين 197 دولة، مع تصنيفها ضمن الفئة «A» ذات النضج الرقمي المرتفع جداً، وتسجيلها معدل نضج بلغ 93.6%، مقارنة بـ51% في عام 2020.

كما حلت المملكة في المركز الخامس عالمياً في مؤشر المشاركة الرقمية للمواطنين، بنسبة 98.3%. وتشير هذه النتائج، إلى جانب مشاريع التحول الرقمي الحكومية، إلى وجود مجال مستمر لتطوير حلول تقنية تخدم القطاع العام، من الخدمات الإلكترونية وتحليل البيانات إلى الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحوسبة السحابية.

وتشير الصورة العامة إلى أن الاقتصاد الرقمي في البحرين ينتقل من مرحلة التركيز على توفير البنية التحتية والاتصال إلى مرحلة أوسع تقوم على استثمار هذه البنية في الإنتاج والخدمات والابتكار.

فالمؤشرات الدولية تظهر مستوى مرتفعاً من الجاهزية الرقمية، فيما تضع الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الرقمي مساراً يمتد حتى عام 2030، وتتوزع الفرص المرتبطة به بين الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والخدمات الرقمية، وتطوير المهارات.

وفي الوقت نفسه، فإن نجاح المرحلة المقبلة يرتبط بقدرة الشركات والكوادر الوطنية على تحويل التكنولوجيا إلى منتجات وخدمات واستثمارات وفرص عمل ذات قيمة اقتصادية.

ومع استمرار الاستثمار في البنية التحتية والتشريعات والمهارات والابتكار، يمثل الاقتصاد الرقمي أحد المسارات التي يمكن من خلالها توسيع قاعدة الاقتصاد البحريني ورفع إنتاجية القطاعات المختلفة.



إقرأ المزيد