روسيا اليوم - 9/21/2026 1:08:01 PM - GMT (+3 )
روريك وبداية الحكاية
تعود نقطة الانطلاق التقليدية إلى عام 862، حين تروي "قصة السنوات الغابرة" أن مجموعات من السلاف والفنلنديين طلبت من الفارانجيين أن يرسلوا إليها حاكما، في الرواية التي صاغها مؤلفو المدونة التاريخية في وقت لاحق.
وبحسب هذه الرواية، وصل ثلاثة إخوة من الفارانجيين، كان بينهم روريك، الذي استقر في الشمال وحكم المناطق الواقعة تحت سلطته. وتربط "قصة السنوات الغابرة" روريك بنوفغورود وبداية السلالة التي عُرفت لاحقا باسم سلالة روريك.
ويعرض المؤرخ البريطاني جوناثان شيبرد، في "تاريخ كامبريدج لروسيا"، هذه الرواية بوصفها جزءا أساسيا من البحث في أصول روس، مشيرا إلى أن المدونة تؤرخ وصول الإخوة الثلاثة إلى نحو عام 862، ثم تربط روريك بنوفغورود ومناطق أخرى.
لكن ذلك لا يعني أن عام 862 يمثل، بصورة قاطعة، "تأسيس روسيا" بالمعنى الحديث. فالمقصود تاريخيا هو نشأة وتطور دولة روس في العصور الوسطى، وهي الكيانات السياسية التي تطورت لاحقا وتغيرت مراكز ثقلها. وتشير الرواية التي يناقشها شيبرد إلى انتقال القوى السياسية جنوبا نحو منطقة دنيبر الأوسط، وصولا إلى كييف.
كما أن المصادر المعاصرة للأحداث نادرة؛ إذ إن "قصة السنوات الغابرة" جُمعت في أوائل القرن الثاني عشر، أي بعد الأحداث التي ترويها بقرون تقريبا. ولهذا يتعامل المؤرخون مع رواية البدايات بوصفها مصدرا أساسيا، لكن ليس بوصفها سجلا معاصرا للأحداث.
لماذا نوفغورود؟
ساعد موقع نوفغورود الجغرافي على منحها دورا مهما في تاريخ روس المبكر. فقد نشأت المدينة على طرق تربط بحر البلطيق والمناطق الشمالية بأراضٍ تقع جنوبا، وتمتد إلى بيزنطة وآسيا الوسطى.
وتشير اليونسكو إلى أن أقدم إشارة وثائقية إلى نوفغورود تعود إلى القرن التاسع، وأن المدينة كانت تقع على طرق تجارية تصل الدول الإسكندنافية وشمال أوروبا ببيزنطة وآسيا الوسطى. كما تؤكد أن المعالم التاريخية لنوفغورود ترتبط مباشرة بعملية تشكل الدولة الروسية القديمة في القرنين التاسع والعاشر.
ومع مرور الوقت أصبحت نوفغورود مركزا سياسيا وتجاريا وثقافيا بارزا، وتطورت فيها مؤسسات سياسية خاصة بها، قبل أن تصبح في العصور الوسطى مركزا لجمهورية نوفغورود. ويشير تاريخ المدينة إلى بروز تقاليد الحكم الذاتي والتجمع الشعبي "فيتشيه" وانتخاب الـ"بوسادنيك" ضمن الحياة السياسية في نوفغورود.
"ألفية روسيا" في قلب الكرملين
بعد نحو ألف عام من التاريخ الذي تنسب إليه الحكاية التقليدية وصول روريك، اختيرت نوفغورود لإحياء ذكرى الألفية، وأقيم فيها نصب "ألفية روسيا" بوصفه نصبا مكرسا لتاريخ الدولة الروسية.
صمم النصب الفنان ميخائيل ميكيشين، بمشاركة النحاتين إيفان شرويدر وروبرت زاليمان وغيرهما، والمهندس المعماري فيكتور هارتمان. ووُضع أساسه عام 1861 في ساحة كرملين نوفغورود. وفي 20 سبتمبر 1862، الموافق 8 سبتمبر بالتقويم القديم، افتُتح النصب رسميا بحضور الإمبراطور ألكسندر الثاني وأفراد العائلة الإمبراطورية.
ويبلغ ارتفاع النصب نحو 15.7 متر، وتضم تركيبته 129 شخصية تاريخية تمتد من القرنين التاسع إلى التاسع عشر. ويتكون من ثلاثة مستويات، تتوجها مجموعة تمثل ملاكا وصليبا وامرأة ترمز إلى روسيا، فيما يضم المستوى الأوسط ست مجموعات نحتية تجسد مراحل مختلفة من التاريخ الروسي.
تاريخ روسيا في نصب واحد
يضم المستوى الأوسط من النصب ست مجموعات تمثل مراحل رئيسية تبدأ بوصول روريك، ثم اعتناق المسيحية في عهد الأمير فلاديمير، وانتصار دميتري دونسكوي في معركة كوليكوفو، ومركزية الدولة في عهد إيفان الثالث، وبداية سلالة رومانوف، وصولا إلى إصلاحات بطرس الأول وتشكّل الإمبراطورية الروسية.
أما الجزء السفلي، فيضم إفريزا يشتمل على 109 شخصيات موزعة على مجموعات تمثل رجال الدولة والعسكريين والأبطال والمستنيرين والكتاب والفنانين. ومن بين هذه الشخصيات مارفا بوريتسكايا، المعروفة باسم مارفا بوسادنيتسا، التي تظهر ضمن قسم الشخصيات العسكرية والأبطال، إلى جانب شخصيات أخرى من تاريخ نوفغورود وروسيا.
وتحمل بنية النصب نفسها رموزا سياسية ودينية تعكس أفكار الإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر. فالكرة الملكية "الدرجافا" ترمز إلى السلطة الإمبراطورية، بينما يجمع الجزء العلوي بين الصليب والملاك والمرأة التي تجسد روسيا. ويقسم النصب إلى مستويات تمثل، في تركيبته العامة، الأرثوذكسية والسلطة الإمبراطورية والتاريخ الوطني كما صاغتها الثقافة الرسمية في ذلك العصر.
ومن التفاصيل اللافتة غياب إيفان الرابع، المعروف بإيفان الرهيب، عن النصب. وتربط المصادر التاريخية المحلية هذا الغياب بصورة خاصة بذاكرة نوفغورود للمذبحة التي ارتكبتها قوات الأوبريتشنينا في المدينة عام 1570. وفي المقابل، حضرت مارفا بوسادنيتسا، إحدى أبرز الشخصيات المرتبطة بتاريخ نوفغورود السياسي، على الإفريز السفلي للنصب.
يوم واحد.. ثلاث ذواكر متراكبة
واللافت أن 21 سبتمبر لا يرتبط بذكرى نشأة الدولة وحدها. ففي التقويم الرسمي الروسي، يصادف اليوم نفسه "يوم المجد العسكري" المخصص لانتصار القوات الروسية بقيادة الأمير دميتري دونسكوي في معركة كوليكوفو عام 1380. ويعود تثبيت هذه الذكرى إلى القانون الفدرالي الخاص بأيام المجد العسكري والتواريخ التذكارية في روسيا.
كما يوافق 21 سبتمبر في التقويم الأرثوذكسي عيد ميلاد السيدة العذراء، وهو أحد الأعياد الكبرى في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.
وبذلك يجتمع في تاريخ واحد ثلاث طبقات من الذاكرة: رواية نشأة الدولة، والذكرى العسكرية لمعركة كوليكوفو، والمناسبة الدينية. ويكشف هذا التزامن عن الطريقة التي يمكن أن تتراكم بها روايات تاريخية ودينية مختلفة حول تاريخ واحد، فتمنحه مكانة رمزية تتجاوز الحدث الأصلي نفسه.
من ذكرى إمبراطورية إلى مناسبة معاصرة
وهكذا لا يمثل 21 سبتمبر مجرد تاريخ مرتبط بروريك، بل يكشف أيضا كيف أعادت الإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر صياغة ذاكرتها التاريخية، من الرواية التقليدية عن بداية روس إلى نصب "ألفية روسيا". واليوم يبقى النصب أحد أبرز معالم كرملين فيليكي نوفغورود، فيما تستعيد المدينة المناسبة بوصفها جزءا من ذاكرتها التاريخية والثقافية.
وبين الحكاية التي تعود إلى "قصة السنوات الغابرة"، والآثار التي تكشفها الحفريات، والنصب الذي أقيم في القرن التاسع عشر، تبدو نوفغورود مكانا تتقاطع فيه التاريخ والذاكرة وكيفية رواية التاريخ.
المصدر: RT
إقرأ المزيد


