الوطن نيوز - 8/12/2026 9:26:02 PM - GMT (+3 )
توفي رئيس الوزراء الصيني الأسبق تشو رونغجي عن عمر ناهز 97 عاماً، بعد معاناة مع المرض، وفق ما أفادت به وسائل الإعلام الرسمية الصينية.
وأعلنت وكالة أنباء شينخوا الرسمية أن تشو توفي في العاصمة بكين نحو الساعة 11 صباحاً الأربعاء. ويُعد تشو أحد أبرز المسؤولين الذين لعبوا دوراً في دفع الصين نحو طفرة اقتصادية هائلة، بعدما قاد خلال تسعينيات القرن الماضي سلسلة إصلاحات صعبة داخل قطاع الشركات المملوكة للدولة، وأسهم لاحقاً في إدخال بلاده إلى منظمة التجارة العالمية.
إصلاحات قاسية غيّرت الاقتصادتولى تشو منصب رئيس الوزراء، وهو أعلى منصب اقتصادي في الصين، بين عامي 1998 و2003، وخلال هذه الفترة دفع باتجاه تغييرات واسعة داخل الاقتصاد الصيني، رغم مقاومة المحافظين في الحزب الشيوعي ومديري الشركات الحكومية.
وسعى تشو إلى تحويل الشركات المملوكة للدولة إلى مؤسسات أكثر كفاءة وربحية، وهي سياسة أدت إلى تسريح ملايين العمال، لكنها ساعدت في إعادة هيكلة الاقتصاد ودفع الصين نحو نمو اقتصادي سريع.
وجاءت إصلاحاته استكمالاً لمسار التغيير الذي بدأه الزعيم الصيني الراحل دنغ شياو بينغ عام 1979. ويُنسب إلى تشو جانب كبير من الحزم والإصرار اللذين سمحا بتمرير تغييرات تاريخية، أبرزها انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، وهو ما ساهم في تحولها إلى أكبر دولة مصدرة في العالم.
وساعدت هذه التحولات في إبقاء النمو الاقتصادي الصيني فوق 8% سنوياً بين عامي 2000 و2010، قبل أن يبلغ ذروته عند 14.2% عام 2007. وفي عام 2010، تجاوز الاقتصاد الصيني اقتصاد اليابان ليصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة.
مواجهة الفساد وانتقاد المسؤولينعندما أصبح تشو رئيساً للوزراء عام 1998، وكان يبلغ من العمر 69 عاماً، اكتسب شعبية بسبب انتقاداته العلنية لسوء أداء المسؤولين والفساد، إضافة إلى تحمله المسؤولية عندما كانت الحكومة تفشل في تحقيق أهدافها.
وأكسبه أسلوبه الحازم لقبَي "الزعيم" و"تشو المجنون". وفي عام 1998، نُقل عنه قوله، وفق صحيفة الشعب اليومية التابعة للحزب الشيوعي: "أعددت هنا 100 تابوت؛ 99 منها للمسؤولين الفاسدين وواحد لي".
ورغم احتلاله المرتبة الثالثة في هرم الحزب خلف الرئيس جيانغ زيمين ورئيس المجلس الوطني لنواب الشعب لي بنغ، لم يكن لدى تشو مركز قوة سياسي خاص به، وكان يشتكي من أن بعض المسؤولين يستطيعون تجاهل أوامره.
مواجهة التضخم وفرض الانضباط على الشركات الحكوميةبرز اسم تشو بشكل خاص عندما كان نائباً لرئيس الوزراء في تسعينيات القرن الماضي، بعدما نجح في مواجهة التضخم الذي كان يهدد الاقتصاد الصيني.
وفرض ضوابط على الأسعار، وقلص القروض المقدمة إلى الشركات الحكومية الخاسرة، متحدياً مقاومة المسؤولين المحليين. وأصبح هذا النهج سمة أساسية في أسلوبه السياسي والاقتصادي، إذ واصل مواجهة المحافظين داخل الحزب بشأن سرعة الإصلاحات وحجمها.
كما لعب دوراً رئيسياً في مساعي الصين للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، بعد مفاوضات طويلة بدأت في ثمانينيات القرن الماضي.
وكان الانضمام إلى المنظمة سيجعل التجارة الحرة التزاماً وطنياً، ويوفر لتشو أداة للضغط على المسؤولين المحليين من أجل التوقف عن حماية الشركات المفضلة لديهم.
وكادت هذه المساعي أن تتعثر عام 1999، عندما زار تشو واشنطن حاملاً تنازلات تتعلق بفتح السوق الصينية سعياً للحصول على دعم الولايات المتحدة لانضمام بلاده إلى المنظمة. لكن إدارة الرئيس بيل كلينتون رفضت العرض باعتباره غير كافٍ، في حين اتهمه خصومه السياسيون داخل الصين بتقديم تنازلات كبيرة.
ومع ذلك، نجا تشو من الأزمة السياسية، وانضمت الصين في نهاية المطاف إلى منظمة التجارة العالمية في ديسمبر/كانون الأول 2001.
بداية طفرة امتلاك المنازلفي عام 1998، أطلق تشو أيضاً طفرة امتلاك المنازل في الصين من خلال مبادرة لبيع الشقق التي كانت مملوكة للشركات الحكومية.
وسارعت العائلات الصينية إلى شراء تلك المساكن، وخلال عقد واحد أصبحت غالبية المساكن في المدن مملوكة ملكية خاصة.
لكن تشو لم يكن مؤيداً للتحول الكامل إلى اقتصاد السوق أو الخصخصة الشاملة. فقد كان، بدرجة أكبر، مسؤولاً حكومياً بارعاً في تنفيذ توجيهات الحزب لإعادة تنظيم قطاع الشركات الحكومية.
ولم يُظهر اهتماماً بخصخصة الاقتصاد، بل شارك في إعداد خطط خلال تسعينيات القرن الماضي لتحويل البنوك وشركات الطيران والنفط وغيرها من المؤسسات إلى شركات تركز على تحقيق الأرباح، مع إبقاء ملكيتها في يد الحكومة.
موقفه خلال احتجاجات 1989خلال توليه منصب عمدة شنغهاي عام 1989، اكتسب تشو سمعة باعتباره مسؤولاً معتدلاً، بعدما تعامل مع المحتجين وطمأنهم وتعهد بعدم استدعاء الجيش.
وكتبت الدبلوماسية الأسترالية شيلي وارنر في كتاب صدر عام 1991 عن الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في الصين أن تشو تمكن، بقدر كبير من الحساسية السياسية، من تهدئة وضع متوتر كان يمكن أن يتحول إلى عنف محلي أو ما هو أسوأ لو شعر الجيش بالحاجة إلى التدخل.
وكان جيانغ زيمين، الذي أصبح لاحقاً الزعيم الأعلى للحزب الشيوعي، مسؤولاً في شنغهاي في ذلك الوقت. وبعد فترة قصيرة، استُدعي جيانغ إلى بكين من جانب دنغ شياو بينغ وتولى قيادة الحزب.
وفي عام 1991، أصبح تشو نائباً لرئيس الوزراء، ثم انضم في 1993 إلى اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، وهي أعلى هيئة لصنع القرار في الحزب.
مسؤول يتحمل مسؤولية إخفاقات الحكومةفي عام 1998، تسببت فيضانات صيفية في مقتل 4150 شخصاً، وسط اتهامات لمسؤولين باختلاس أموال مخصصة لبناء السدود والحواجز المضادة للفيضانات. وانتقد تشو الوضع بشدة، قائلاً إن بعض الحواجز لم تكن أقوى من "التوفو"، في إشارة إلى هشاشتها.
وبعد ثلاث سنوات، ظهر على التلفزيون الرسمي وقدم اعتذاراً عن إخفاق حكومته في حماية المواطنين، بعد انفجار وقع في مدرسة بجنوب الصين وأسفر عن مقتل 42 شخصاً على الأقل، معظمهم من الأطفال.
شخصية مختلفة في المشهد السياسي الصينيساهم تشو أيضاً في إضفاء قدر من الحيوية على الصورة الرسمية للحزب الشيوعي، من خلال إطلاق النكات علناً، وأحياناً على حساب نفسه.
وخلال مؤتمر صحفي عام 1999، أثار ضحك الحاضرين عندما تحدث عن صورة حديثة له وقال إنها جعلته يبدو مثل "رجل ميت".
وكان من أبرز إنجازاته، عندما كان نائباً لرئيس الوزراء، صياغة نظام ضريبي أجبر المسؤولين المحليين على تحويل حصة أكبر من الإيرادات إلى الحكومة المركزية في بكين.
وفي عام 1996، قال مازحاً إنه يستحق جائزة نوبل في الاقتصاد عن هذا النظام.
وبعد مغادرته منصب رئيس الوزراء عام 2003، نادراً ما ظهر تشو رونغجي علناً، قبل أن تعلن وسائل الإعلام الرسمية الصينية وفاته في بكين عن عمر 98 عاماً.
إقرأ المزيد


