إيلاف - 4/27/2026 12:38:26 PM - GMT (+3 )
إيلاف من لندن: يصل الملك تشارلز الثالث إلى أميركا في زيارة دولة شديدة الحساسية، خُطط لها على مدى أشهر داخل الحكومة البريطانية، لا بوصفها مناسبة بروتوكولية فقط، بل محاولة ناعمة لترميم علاقة تصدّعت بين دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
وبحسب تقرير نشرته بوليتيكو، فإن الزيارة، التي تتزامن مع الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا، تبدو في ظاهرها هدية رمزية من بريطانيا إلى واشنطن، لكنها تحمل في عمقها رهانات سياسية ودبلوماسية أكبر: تهدئة ترامب، حماية المصالح البريطانية، وإبقاء الملكية قناة اتصال مستقرة إذا تعثرت العلاقة بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء البريطاني.
مهمة ملكية تحت ضغط سياسيتقول بوليتيكو إن مساعدي الملك سيصلون ومعهم ملف ضخم يضم الجداول الزمنية، والمذكرات الإحاطية، والسير الشخصية، وأهداف الزيارة، إلى جانب ملاحظات يُرجح أن يكون تشارلز دوّنها بخطه.
لكن صياغة تلك الأهداف لم تكن سهلة. فقد وصلت العلاقة بين ترامب وستارمر إلى مستوى متوتر، بعد انتقادات أميركية لمواقف رئيس الوزراء البريطاني من الحرب مع إيران، والهجرة، وسياسات الطاقة. وزادت حساسية الزيارة بعد حادث إطلاق نار وقع خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض، ما دفع إلى مراجعة الترتيبات الأمنية.
ومن المتوقع، وفق التقرير، أن يتطرق تشارلز إلى الحادث في خطابه أمام جلسة مشتركة للكونغرس. ورغم أن تقارير تحدثت عن خطاب مدته 20 دقيقة، نقلت بوليتيكو عن مطلعين على التحضيرات توقعهم أن يقترب الخطاب من نصف ساعة، أي أكثر بكثير من خطاب والدته الملكة إليزابيث الثانية أمام الكونغرس عام 1991.
رسائل لا تُقال مباشرةكما في معظم الزيارات الملكية، لن تكون الرسائل الأهم بالضرورة في الكلمات المباشرة. فبوليتيكو تصف أسلوب الدبلوماسية الملكية بأنه يقوم على الرموز والصور، لا على التصريحات السياسية الصريحة.
القضية الأبرز التي قد تظهر في خلفية الزيارة هي أوكرانيا. فالحرب بين كييف وموسكو تقع، بحسب التقرير، عند تقاطع بين أولويات لندن الدبلوماسية واهتمامات تشارلز الشخصية. ومع ذلك، حذّر مساعد ملكي تحدث إلى بوليتيكو من بناء استنتاجات حاسمة حول مواقف الملك من ملفات بعينها.
ومن المرجح أيضًا أن يشدد الملك على عمق العلاقات الدفاعية بين لندن وواشنطن، في وقت تراقب بريطانيا بدقة مواقف ترامب من حلف شمال الأطلسي والإنفاق الدفاعي. وتشمل الزيارة محطة في مقبرة أرلينغتون، في إشارة رمزية إلى الشراكة العسكرية بين البلدين.
أوكرانيا والدفاع وفوكلاندتأتي الزيارة في وقت تحاول فيه بريطانيا إظهار أنها تتحرك بجدية نحو رفع إنفاقها الدفاعي إلى 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو هدف تأثر جزئيًا بضغوط ترامب على الحلفاء الأوروبيين.
وتشير بوليتيكو إلى أن أي تعليق من ترامب على جزر فوكلاند قد يفتح ملفًا شديد الحساسية، خصوصًا بعد تسريبات أشارت إلى احتمال مراجعة أميركية لموقفها من السيادة البريطانية على الجزر، وهو ما قلل مسؤولون بريطانيون من شأنه.
وسيرافق الملكَ في الزيارة وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، على أن تنفصل عن الوفد الملكي للقاء وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومناقشة ملفات السياسة الصلبة بعيدًا عن الطابع البروتوكولي للبرنامج الملكي.
ما لا تريد لندن فتحههناك ملفات لا ترغب أي من الأطراف في إثارتها، في مقدمتها قضية الراحل المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.
وبحسب بوليتيكو، تحقق الشرطة في مزاعم مرتبطة بأندرو ماونتباتن-ويندسور، شقيق الملك، وبالسفير البريطاني السابق لدى أميركا بيتر ماندلسون، بشأن مواد قيل إنهما سلماها، كل على حدة، إلى إبستين. وينفي الاثنان ارتكاب أي مخالفة.
كما رفض قصر باكنغهام دعوات ناشطين إلى لقاء الملك أو الملكة كاميلا ضحايا إبستين خلال الزيارة، رغم أن كاميلا معروفة بحملاتها ضد العنف الموجه إلى النساء والفتيات.
أما البيئة، وهي من القضايا الأقرب إلى تشارلز، فمن المرجح أن تبقى خارج جدول الرسائل العلنية، نظرًا إلى حساسية موقف ترامب من ملف المناخ. وكان الملك قد وصف تغير المناخ في قمة للكومنولث عام 2024 بأنه “تهديد وجودي”، لكن من غير المتوقع أن يكرر هذه اللغة في واشنطن.
التجارة خلف الستارورغم أن الملك لن يدخل في تفاصيل المفاوضات التجارية، فإن الزيارة تمنح لندن “غطاءً” سياسيًا لإعادة فتح قنوات العمل مع واشنطن.
وتقول بوليتيكو إن فارون شاندرا، مبعوث ستارمر الخاص إلى أميركا، سينضم إلى الزيارة بعدما قام برحلات منتظمة إلى واشنطن لمحاولة تفكيك عقد اتفاقين منفصلين في التكنولوجيا والتجارة توصّل إليهما ستارمر وترامب العام الماضي.
الاتفاق الاقتصادي تعهد بخفض رسوم أميركية على السيارات والطيران والصلب، مقابل تسهيلات في ملفات مثل لحوم الأبقار والإيثانول الحيوي. لكن أجزاء أساسية منه لم تُنفذ بعد. أما الاتفاق التقني، فما زال عالقًا، خصوصًا مع تهديد ترامب بفرض رسوم ردًا على ضريبة الخدمات الرقمية البريطانية التي تطال شركات تكنولوجيا أميركية كبرى.
ونقلت بوليتيكو عن دنكان إدواردز، الرئيس التنفيذي لمجموعة BritishAmerican Business، قوله إنه لا يتخيل أن يبدأ الملك الحديث عن التجارة. لكنه توقع أن يستفيد شاندرا والسفير البريطاني الجديد لدى واشنطن كريستيان تيرنر من الغطاء الذي توفره الزيارة لإعادة الانخراط في الملف التجاري.
زيارة رتبتها الدولة لا القصر وحدهتؤكد بوليتيكو أن الزيارة، رغم مظهرها الملكي، صُنعت داخل الدولة البريطانية. فقد خُطط لها عبر اجتماعات بين وايتهول ومساعدي القصر، وبمشاركة داونينغ ستريت ومكتب مجلس الوزراء ووزارة الخارجية ووزارة الأعمال والتجارة.
وتراجع “لجنة الزيارات الملكية” مئات الخيارات قبل الاتفاق على الوجهات والرسائل والمخرجات. كما أن الملك يتلقى مذكرات داخل الصندوق الأحمر، على غرار الوزراء البريطانيين، ووزع مسودة خطابه أمام الكونغرس على جهات حكومية عدة، رغم مشاركته الشخصية في كتابته.
وتأثرت التحضيرات النهائية باضطرابات داخل حكومة ستارمر، بعدما أقال رئيس الوزراء أولي روبنز من منصب كبير الموظفين المدنيين في وزارة الخارجية، إثر خلاف مرتبط بإجراءات التدقيق الخاصة بماندلسون. وتولى نائبه نيك داير رئاسة لجنة الزيارات الملكية في الأسابيع الأخيرة.
الملك كجسر إذا سقط ستارمرتطرح الزيارة سؤالًا أكثر حساسية داخل أوساط السياسة الخارجية البريطانية: إلى أي مدى ينبغي إظهار الملك كشخصية منفصلة عن ستارمر أمام ترامب؟
فالتوتر لا يقتصر على العلاقة بين واشنطن ولندن. داخل حزب العمال، يواجه ستارمر ضغوطًا سياسية مع اقتراب انتخابات كبرى في 7 أيار، ما يفتح الباب أمام تساؤلات عن مستقبل قيادته. وإذا رحل، سيحتاج أي زعيم جديد إلى بدء علاقة جديدة مع ترامب.
ونقلت بوليتيكو عن سايمون كيس، الرئيس السابق للخدمة المدنية البريطانية، قوله إن هدف الزيارة هو “الارتقاء فوق السياسة”، وتذكير الجميع بأن العلاقة بين البلدين أكبر من أي رئيس أو رئيس وزراء.
كما نقلت عن مايكل مارتنز، الزميل في British Foreign Policy Group، أن انتقادات ترامب للمملكة المتحدة كانت موجهة في معظمها إلى ستارمر، بينما احتفظ بكلمات دافئة للملك.
نجاح منخفض السقفلا تتوقع لندن اتفاقات كبرى من الزيارة. فالنجاح، وفق ما ترسمه بوليتيكو، يعني شيئًا أبسط: مرور الأيام من دون انفجار سياسي، وبقاء الابتسامات قائمة، وتخفيف الضرر في العلاقة مع ترامب.
وأظهر استطلاع أجرته Ipsos، بحسب التقرير، أن 41 في المئة من البريطانيين يعتقدون أن زيارة تشارلز لن تغير شيئًا في العلاقة الأميركية - البريطانية، بينما رأى 10 في المئة أنها قد تجعلها أسوأ.
وترى أوليفيا أوسوليفان، مديرة برنامج “المملكة المتحدة في العالم” في تشاتام هاوس، أن العائلة المالكة ما زالت أصلًا دبلوماسيًا تستطيع بريطانيا استخدامه للحصول على كلمات دافئة، لكنها لا تكفي لتغطية الخلافات الاستراتيجية الأعمق.
أصعب زيارات العهدتصف بوليتيكو الزيارة بأنها من أعقد محطات عهد تشارلز حتى الآن. فالرجل الذي لا يحب أن يُزج به في قلب السياسة يجد نفسه في مهمة سياسية بامتياز، وإن كانت مغلفة بالبروتوكول.
ونقل التقرير عن مسؤول حكومي أن الانطباع داخل وايتهول هو أن الملك “غير متحمس إطلاقًا للذهاب”. لكن مقربين منه يقولون إنه، حتى عندما لا يستمتع بمهمة ما، يكرس لها كامل طاقته إذا اعتبرها جزءًا من واجبه.
وقال مساعد ملكي لبوليتيكو إن القصر يدرك تعقيد الزيارة، لكنه يراها أيضًا فرصة استثنائية للأمة وللملك نفسه. وأضاف أن تشارلز سيؤدي المهمة بما راكمه من خبرة ودفء ومهارة دبلوماسية “بما يخدم المصالح الفضلى للأمة التي يخدمها”.
بحسب بوليتيكو، لا تدور زيارة تشارلز إلى أميركا حول البروتوكول وحده. إنها اختبار لقدرة بريطانيا على استخدام الملكية كأداة قوة ناعمة لاحتواء رئيس أميركي يصعب التنبؤ به، وحماية العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن، وتخفيف أثر الخلاف بين ترامب وستارمر. وفي حسابات لندن، لا يحتاج النجاح إلى بيان كبير. يكفي أن يبتسم ترامب، وألا تنفجر السياسة في وجه الزيارة.
SEO
وصف ميتا:
منشور اجتماعي مقترح
* أعدت إيلاف التقرير عن بوليتيكو: المصدر
إقرأ المزيد


