إيلاف - 4/27/2026 1:20:30 AM - GMT (+3 )
محمد ناصر العطوان
في جغرافية العائلات التي كسرها الفقد، ثمة قارة خفية لا ترسمها الخرائط الرسمية، ولا تتحدث عنها نشرات الأخبار.
حين تغيب الأم، لسبب يعرفه الموت، أو لغياب تفرضه قسوة الحياة، تترنح جدران البيت، ويهرب الدفء من شقوق النوافذ، ويصبح الهواء بارداً كثلاجة الموتى.
في تلك اللحظة الفاصلة، لا ينهار العالم تماماً... لسبب واحد فقط:
هناك فتاة ما، تقرر في غفلة من طفولتها أو صباها، أن تكبر ألف عام في ليلة واحدة.
إنها الأخت... التي اختارها القدر لتكون «الأم البديلة».
هي لا تملك ترف البكاء طويلاً، بل تخلع أحلامها الشخصية كما تخلع معطفاً قديماً، وترتدي «مريلة» المطبخ.
تتعلم يداها الغضتان كيف ترعى إخوانها والأمل معاً. تقف على أطراف أصابعها لتصل إلى موقد الغاز لتسخن الحليب، وفي المساء، تقف على أطراف روحها لتصل إلى أحزان إخوتها الصغار فتمسحها قبل أن تنام.
هي الطفلة التي وأدت طفولتها، لتنقذ طفولة الآخرين، وهي التي تخبئ دموعها وارتجافات خوفها تحت وسادتها ليلاً، لتستيقظ في الصباح بابتسامة صلبة، تضفر شعر أختها الصغرى، وتتفقد حقيبة أخيها المدرسية، وتتأكد من أن أحذيتهم نظيفة، وأنهم لن يشعروا بنقص أمام بقية الأطفال.
الأخت البديلة لا تقرأ كتب التربية، لكنها تعرف بالفطرة متى تقسو ومتى تلين.
تحفظ مقاسات ملابسهم، ومواعيد أدويتهم، وما يحبونه من طعام، وما يكرهونه من كلمات... لكنها، في زحمة هذا النسيان النبيل، تنسى مقاس أحلامها هي... تتنازل عن مقعدها في قطار الحياة، لكي يصل إخوتها إلى محطاتهم آمنين.
في كتب التاريخ، يكتبون عن الجنرالات الذين ربحوا المعارك وحرروا المدن، لكن أحداً لا يكتب عن تلك الأخت التي خاضت أشرس معركة في الوجود ضد «اليتم» و«الضياع»، وانتصرت بأسلحة لا تملك سوى الحنان والتضحية.
إلى كل أخت، صارت أماً قبل الأوان...
إلى التي تفوح من يديها رائحة البصل والثوم وصابون الغسيل، وتفوح من قلبها رائحة الجنة...
إلى التي لم تنجب هؤلاء الأطفال من رحمها، لكنها أنجبتهم من روحها، وعمرها، وشبابها المهدور في خدمتهم...
نحن مدينون لكِ باعتذار؛ لأننا لا نملك في روزنامة الأيام «عيداً» يكفي للاحتفاء بكِ...
ومدينون لكِ باعتراف؛ بأنكِ لستِ مجرد «بديل» عن الأم، بل أنتِ التجسيد الحي لـ «معجزة الأمومة» حين تتحدى الموت والغياب لتصنع الحياة.
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.
إقرأ المزيد


