سقوط هيبة «الحكيم» في عصر التريند
إيلاف -

عُرف الطبيب قديماً بلقب "الحكيم"، والممرضة بـ"الحكيمة"، وهي تسمية لم تأتِ من فراغ، بل جسدت فلسفة مهنة تقوم على رجاحة العقل، وحفظ الأسرار، والترفع عن الصغائر. كان "الحكيم" يمثل مرجع

عُرف الطبيب قديماً بلقب "الحكيم"، والممرضة بـ"الحكيمة"، وهي تسمية لم تأتِ من فراغ، بل جسدت فلسفة مهنة تقوم على رجاحة العقل، وحفظ الأسرار، والترفع عن الصغائر. كان "الحكيم" يمثل مرجعية أخلاقية ومجتمعية تتجاوز حدود الوصفة الطبية، حيث يمتزج علمه بالوقار والصمت المدروس، إلا أن عصرنا الرقمي الحديث أحدث هزة في هذه الصورة الذهنية، ليتحول الطبيب في كثير من الأحيان من "حكيم" مؤتمن إلى "صانع محتوى" يطارد أرقام المشاهدات وتفاعلات المتابعين في فضاء إلكتروني لا يهدأ.

هذا التحول الرقمي أوجد انقساماً حاداً؛ فبينما يرى البعض أنها وسيلة عصرية لنشر الوعي وتبسيط المعلومات الطبية المعقدة، يحذر آخرون من "تسليع الطب" وفقدان تلك الرصانة التي ميزت "الحكيم" عبر العصور، فاستبدال وقار العيادة ببهارج "التريند" يضع هيبة المهنة في مقتل، ويحول التشخيص الطبي من عملية علمية رصينة إلى عرض مرئي يخضع لآفاق الانتشار، مما يجعل المريض في حيرة بين البحث عن "العلاج" وبين الانبهار بـ"الاستعراض".

وتبرز الإشكالية الكبرى حين يتحول الطبيب إلى "واجهة إعلانية" مبطنة، مستخدماً "كاريزمته" الشخصية للترويج لمنتجات أو مراكز معينة تحت غطاء النصيحة الطبية.

إن استدراج المريض ليصبح "متابعاً" أو "زبوناً" يضرب في جوهر الثقة، ويحول العلاقة الإنسانية المقدسة إلى صفقة تجارية عابرة، وهنا تضيع فلسفة "الحكيم" الذي كان يضع مصلحة المريض فوق كل اعتبار، ليحل محلها منطق السوق الذي يبحث عن الربح والانتشار السريع على حساب عمق التجربة المهنية.

يبقى الرهان على الأطباء الذين استثمروا أدوات العصر لتصحيح المفاهيم الخاطئة ومحاربة الشائعات، محتفظين بروح "الحكيم" في ثوب رقمي جديد.

تكمن المعادلة الصعبة في القدرة على الجمع بين الانفتاح التقني والانضباط الأخلاقي، بحيث يظل الطبيب صوتاً للعلم لا صدىً للإعلان، وتظل منصات التواصل جسراً للوعي الصادق وليست مسرحاً للاستعراض الذي قد يخدش حياء المهنة أو يضلل الباحثين عن الشفاء.

هذا المقال يحتوي على 268 كلمة ويستغرق 2 دقائق للقراءة



إقرأ المزيد