روسيا اليوم - 4/23/2026 3:16:52 PM - GMT (+3 )
تأتي مغادرة جون سي فيلان في أعقاب تغييرات كبرى شهدتها القيادة العسكرية الأمريكية مؤخرا بما في ذلك إقالة رئيس الأركان الجنرال راندي جورج. وقد أشارت بعض التقارير الإعلامية إلى أن الأسباب ربما تتعلق بـ "التأخر في تنفيذ القرارات ووجود خلافات مع القيادة العليا في البنتاغون" ("رويترز" نقلا عن مصدرين طلبا عدم الكشف عن هويتهما).
يأتي ذلك أيضا بالتزامن مع أخبار متضاربة بشأن المفاوضات في إسلام آباد، حيث ألغى نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس رحلته إلى باكستان حيث كان من المقرر أن يترأس الوفد الأمريكي في المفاوضات مع إيران، على خلفية عدم اتخاذ قرار نهائي من جانب إيران بشأن المشاركة في المفاوضات.
على الجانب الآخر أفادت وكالة "تسنيم" بأن إيران أبلغت باكستان بقرارها النهائي عدم المشاركة في جولة المفاوضات مع الولايات المتحدة التي كان من المفترض أن تعقد يوم أمس الأربعاء 22 أبريل برئاسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
من الممكن تفهم الموقف الإيراني استنادا للتجارب السابقة (يونيو وفبراير) حينما كانت المفاوضات تجري على قدم وساق وأقدمت إسرائيل والولايات المتحدة على قصف إيران، وكذلك تعتبر إيران أن الحديث أولا كان يدور على المطالب العشر التي تقدمت بها إيران، وسيتم النقاش حولها، لتفاجأ بأن الحديث يدور حول المطالب الخمسة عشر التي تقدمت بها الإدارة الأمريكية ورفضتها إيران مسبقا.
ترى إيران أن المطالب الأمريكية مفرطة وتتراجع عن التفاهمات الأولية بشأن مضيق هرمز ونقل المواد النووية خارج البلاد، إضافة إلى الحصار الأمريكي الأخير، والاستيلاء على السفينة الإيرانية، لهذا ترفض إيران المفاوضات تحت التهديد.
من ناحية أخرى تشتد حرب إعلامية ضروس بين ترامب على موقع "تروث سوشيال" الذي يملكه، ووسائل الإعلام الرسمية الإيرانية، حيث نشر ترامب منذ يومين "مطالبة" بإطلاق سراح ما أسماهن "نساء يواجهن حكم الإعدام"، وقال إن ذلك سيكون "بداية رائعة لمفاوضاتنا". بينما ردت مصادر أوردتها وكالة "فارس" الإيرانية أن التدوينة للناشط الصهيوني الأمريكي اليهودي التي زعم فيها استعداد إيران "لإعدام" ثمان نساء لا تمت للحقيقة بأي صلة، حيث أنه لا يوجد حكم نهائي على أي من النساء يلزم بتنفيذ حكم الإعدام، وتشير التحقيقات إلى أن عددا منهن قد أطلق سراحهن وبعضهن يواجهن اتهامات إذا أقرتها المحكمة ستؤدي في النهاية إلى سجنهن.
ثم عاد ترامب يوم أمس الأربعاء ليقول إن ثمة "تطور إيجابي في ملف حقوق الإنسان بإيران"، حيث زعم أنه "تمكن من منع إعدام ثماني نساء كن محتجزات لدى السلطات الإيرانية". وتابع: "لقد احترموا طلبي بصفتي رئيسا للولايات المتحدة وأوقفوا تنفيذ الإعدام المخطط له".
في رأيي المتواضع أعتقد أن الإدارة الأمريكية تعاني اليوم من تفكك واضح في القرارات بين أجنحة تخضع على نحو واضح وجلي ومفضوح للوبي الصهيوني في واشنطن، وبين أجنحة أخرى تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد التورط في حرب لا تحمل أي نصر قريب أو بعيد بأي حال من الأحوال، استنادا إلى الحسابات العسكرية والاستراتيجية.
وفي اعتقادي الشخصي أن وزير الحربية المقال جون سي فيلان، بصفته عسكري محترف رفيع المستوى، يدرك تماما أن احتمال تدمير إحدى حاملات الطائرات الأمريكية وعدد من السفن الأمريكية بمنطقة الخليج أمر وارد ويقع ضمن مرمى أهداف وقدرات الصواريخ الإيرانية.
وذلك أمر سيحمل تبعات خطيرة سواء على مستوى الضحايا التي قد تتجاوز الألف قتيل من خيرة الضباط وجنود البحرية الأمريكية، أو على مستوى سمعة الجيش الأمريكي في المنطقة والعالم وهيبة الولايات المتحدة الأمريكية التي تلطخت بالفعل خلال الشهرين الماضيين.
أظن أن فيلان لم يرغب في أن يكون كبش فداء يتحمل مسؤولية قرارات يراها حمقاء، يصدرها وزير حرب مندفع مثل هيغسيث، يقع تحت تأثير عواطف ترامب المشتعلة، كما يتصور هو الموقف.
كذلك فإن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأسبوعين الماضيين تشير إلى توتر وخوف وتردد ما بشأن اتخاذ أي خطوات يمكن أن تتسبب في كوارث حقيقية للقوات الأمريكية البحرية وقوات أخرى بالقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط وربما العالم، لما تسببه الحرب من عواقب وخيمة تبدأ في الظهور يوما تلو الآخر.
كما أن تهديدات ترامب بنسف محطات الطاقة والجسور و"إعادة إيران إلى العصر الحجري"، وهو ما يمكن أن إدراجه تحت بند جرائم الحرب، تواجه من الجانب الإيراني بتهديدات مقابلة لإغلاق مضيق باب المندب، واستهداف مواقع الطاقة وتحلية المياه في الخليج وتلك كارثة إنسانية أخرى لا يستطيع ترامب أو غير ترامب أن يتحمل تبعاتها.
لهذا يجب علينا اليوم بذل الجهود ومساعدة ترامب حتى لا تنزلق الولايات المتحدة إلى هاوية أسوأ، بإنقاذه من تأثير اللوبي الرأسمالي الصهيوني الذي يقيد تصرفاته وتصوراته عن الحرب وعن المنطقة وعن العالم.
فبرغم كل الإخفاقات والفشل الذي منيت به تلك التصورات السطحية والمريضة في محاولة "هزيمة روسيا استراتيجيا"، ودق إسفين بين روسيا والصين، وإفشال "بريكس" المجموعة التي تضم أكبر دول العالم (روسيا والصين والهند) إلى جانب البرازيل وجنوب إفريقيا ودول أخرى تسعى اليوم للانضمام إلى الرابطة الواعدة، وبرغم عرقلة انتقال العالم إلى التعددية القطبية وفشل تشبث الغرب الأحادية القطبية التي تنتهي أمام أعيننا (ربما على صخرة الحرب على إيران)، وبرغم فشل اللوبي الإسرائيلي في إجبار المملكة العربية السعودية على التطبيع مع إسرائيل وإخضاع الدول العربية الأخرى دون تقديم إسرائيل لأي تنازلات بشأن حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 67. برغم كل هذا لا زال اللوبي يسعى إلى "هزيمة إيران" وإحداث شرخ في العالم الإسلامي بين السنة والشيعة، وبين الداخل اللبناني، وبين الداخل السوري، وبين الداخل الليبي.. سلسلة لا تنتهي من الفشل، يجب إنقاذ الولايات المتحدة وإنقاذ دونالد ترامب منها.
يتعين على منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية ودول الجنوب العالمي الدعوة إلى مؤتمر يتخذ فيه قرارات تساعد ترامب على التراجع وتفادي الكارثة المحققة التي يمكن أن تحدث للجيش الأمريكي وقواته المتواجدة في الشرق الأوسط لا سيما في منطقة الخليج. وهو ما سيؤثر بالقطع على الاقتصاد العالمي وعلى دول الجنوب العالمي بشكل أخص.
عدا ذلك فالشواهد والعلامات والأدلة التي نراها في أروقة الإدارة الأمريكية لا تبشر بأي خير، وتثير المزيد من القلق والتوتر بشأن مستقبل منطقة الشرق الأوسط والعالم.
الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
إقرأ المزيد


