يقف لبنان الرسمي بين حافتي الانقسام الداخلي والتفاوض الصعب الخارجي. في الداخل، تتعالى أصوات الاعتراض على المفاوضات السياسية المباشرة مع إسرائيل، وهو الأمر الذي دخل إلى خانة المحرمات في لبنان منذ إسقاط اتفاق السابع عشر من مايو (أيار) 1983، وبعد أن خضعت البلاد لوصاية النظام السوري السابق لسنوات، تم خلالها ربط المسار اللبناني مع المسار السوري. وتأخذ الحركات الاحتجاجية على المفاوضات طابع التخوين والاتهام بالعمالة، لا سيما بحق رئيسي الجمهورية والحكومة، جوزيف عون ونواف سلام، وهي أدبيات لطالما ركن إليها «محور الممانعة» في لحظات «الحشر» (الاحتدام السياسي).
أما التفاوض الخارجي الصعب فإنه يتصل بطبيعة السلوكيات الإسرائيلية التي لا تُقيم وزناً للموقف الرسمي اللبناني، وقد تغاضت عن الدعوات الرسمية المتكررة للتفاوض منذ نحو شهرين، وواصلت قصفها للبنان، لا بل صعَّدته بشكل غير مسبوق، ما أفضى إلى سقوط ما يزيد على 1500 شهيد، قسم كبير منهم من المدنيين الأبرياء. وليس هناك ما يوحي، أو يؤكد، أن إسرائيل سوف توافق على وقف إطلاق النار قبل البدء بالمفاوضات، وهو المطلب اللبناني المنطقي والطبيعي، أو أنها تنوي الانسحاب عسكرياً من النقاط الخمس التي كانت احتلتها منذ حرب 2024 أو من المساحات الجديدة التي تحتلها تدريجياً (ولو بصعوبة) راهناً.
ثمة أصوات لبنانية تطالب بأن يكون منطلق المفاوضات اتفاقية الهدنة الموقعة بين لبنان وإسرائيل سنة 1949 من دون الدخول في اتفاقية سلام شامل، تتضمن تطبيعاً للعلاقات السياسية والاقتصادية، في حين تذهب أصوات أخرى أكثر تطرفاً للمطالبة بمعاهدة شاملة تفتح صفحة جديدة من العلاقات، وتتغاضى تماماً عن كل ما قامت به إسرائيل في المراحل السابقة، وصولاً إلى الحرب التي لا تزال مشتعلة الآن. ويتوسل بعض أولئك أساليب مختلفة للتسويق لوجهة نظرهم التي لا تخلو من «التطبيع» الإعلامي وسواها من المواقف التي لا تتلاءم مع طبيعة التصنيف السياسي والقانوني اللبناني لإسرائيل بأنها «عدو».
قليلة هي الأوراق التي يمتلكها لبنان الرسمي في مفاوضاته المرتقبة مع إسرائيل، تماماً كما هي قليلة الخيارات الأخرى المتوفرة أمامه إذا أراد أن تنتهي هذه الحرب، إلا إذا كان المطلوب إغراق البلاد في دوامة لا تنتهي من الحروب المتتالية التي لن يكون التعامل معها يسيراً، خصوصاً بعد تبدّل موازين القوى الإقليمية والتفوق الإسرائيلي والدعم الأميركي اللامحدود لتل أبيب.
من المفارقات العجيبة أن أذرع إيران في لبنان كانوا يجوبون شوارع بيروت وضواحيها في تحركات احتجاجية رفضاً للمفاوضات، رافعين كل أنواع شعارات التخوين المبتذلة، في الوقت الذي كانت طائرة وفد إيران المفاوض تحط في إسلام آباد لبدء التفاوض مع واشنطن. طبعاً، كل الكلام السياسي الإيراني عن استئناف الحرب أو تعليق المفاوضات السياسية ما لم يتم التوصل لوقف إطلاق النار في لبنان ذهب مع الريح، وتبيّن بما لا يقبل الشك، أن إيران لن تضحي في سبيل لبنان وتشعل جبهاتها مجدداً، خصوصاً أن الضربات التي تلقتها كانت موجعة، ولو أنها لم تقصّر في إيذاء إسرائيل وفي تعطيل حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.
على الصعيد المحلي اللبناني، يبقى من الضروري توسيع مروحة التوافق الداخلي حول خيار التفاوض، لأن المسألة ليست مسألة صلاحيات سياسيّة أو دستورية عند هذه السلطة أو تلك، بقدر ما هي تتصل بالخيارات الاستراتيجية للبنان للسنوات المقبلة. وعمليّاً، يبدو غياب هذا التوافق، مهما كان صعباً، أنه سيكون بمثابة مقدمة لتفجير الوضع الداخلي لإسقاط هذا الخيار أو الاتفاق في حال تم التوصل إليه. وسبق أن حدثت تجارب مماثلة في الماضي في هذا المجال، إلا أن الظروف اليوم مختلفة تماماً.
قد يبدو الطرح طوباوياً بعض الشيء، ولكن لعله من المثير التفكير حقاً في إمكانية البحث الجدي في سبل الاستفادة من ورقة مقاومة الاحتلال المستجد للأراضي اللبنانية على أن يكون ذلك حصراً تحت كنف الدولة وبإشرافها، وهذا يتطلب من «حزب الله» الإقلاع عن تلبية الرغبات الإيرانية والالتفات إلى المصلحة الوطنية اللبنانية، وهو الذي لم يفعل ذلك أقله في برهان واضح ثبُت خلال الحرب الأخيرة، فأشعل الحرب انتقاماً لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني، بعد أن كان توقف عن الرد طوال خمسة عشر شهراً من دون الانتقام لأمينه العام أو لكل الضربات الموجعة التي تلقاها!
لا يستطيع «حزب الله» أن يواصل سياسة إشاحة النظر عن مقتضيات الوفاق الوطني اللبناني، وأن يبني خطابه السياسي حصراً على أدبيات التخوين والاتهام بالعمالة في تكرار ممجوج لأسطوانة ملّ منها اللبنانيون، لدرجة أن بعضهم بات يؤيد التخلص من هذه السلوكيات المرهقة بأي ثمن! ولا يستطيع الحزب أيضاً أن يواصل سياسته بتوريط لبنان بحروب لا طائل له فيها، ما يؤدي إلى تهجير أبناء الجنوب مراراً وتكراراً، ومن ثم يستفز البيئات التي تحتضن هؤلاء النازحين وتستضيفهم!
ما يمر به لبنان راهناً صعب، وصعب جداً، وهو يتطلع إلى الدعمين العربي والدولي له، لاجتياز هذه المرحلة الصعبة، وهي محطة مفصليّة قاسية في تاريخه المعاصر، تُهدد وجوده السياسي واستقراره وسلمه الداخلي. ولعل الدول العربية تدرك أن تكلفة دعم لبنان والحفاظ على استقلاله ووحدة أراضيه أقل من تكلفة انفجاره الداخلي أو إسقاطه بفعل الضربات الإسرائيلية التي لا تتوقف!


