لبنان "حرب الحروب"... أي قدر قاتل؟
إيلاف -

أضاف يوم 8 نيسان الحالي إلى سجل دموي طويل في لبنان محطة شديدة القتامة بنحو 200 ضحية و1000 جريح، بحيث باتت ذاكرة اللبنانيين تختنق ضيقًا بتاريخ بلدهم الذي كان تاريخه يومًا لا يقف إلا

أضاف يوم 8 نيسان الحالي إلى سجل دموي طويل في لبنان محطة شديدة القتامة بنحو 200 ضحية و1000 جريح، بحيث باتت ذاكرة اللبنانيين تختنق ضيقًا بتاريخ بلدهم الذي كان تاريخه يومًا لا يقف إلا عند محطات تفرد مضيئة ومشعة كبلد متوهج بخصائص نادرة وفريدة في هذا الشرق. ولعله من سوء أقدار اللبنانيين أن تنقض إسرائيل على بيروت ومعظم المناطق اللبنانية في اجتياح جوي قياسي، أمعن في إحداث مجزرة دماء ودمار مخيفة خلال عشر دقائق فقط، في يوم يسبق بأيام حلول موعد الذكرى الـ51 لاشتعال شرارة الحرب الكبيرة في لبنان في 13 نيسان 1975، الأشهر من أن يعرف بها نظرًا لما خلفته تلك الحرب من سحابة عقد ونصف من تشليع وتمزيق وتشويه في تركيبة بلد لا نظير له في العالم العربي قاطبة، ولا في دول الشرق الأوسط بالمعنى التعددي والديموقراطي والانفتاحي، وأيضًا بهشاشة قياسية تاريخية تسبح عبرها فوق نسيج معقد. ولئلا نغرق في تاريخ لم يعد معظم اللبنانيين يرغبون في استحضاره لكثرة ما تراكم في طبقاته من فواجع ومآس، فإن اللحظة الراهنة وحدها تكفي للتخوف من أن يكون لبنان مضى بعيدًا في قدر تسديد أكلّاف رهيبة لا قبل له بها ولا قدرة باقية على تسديدها، فيما هو يحيي ذكرى أكبر حرب من حروب الآخرين على أرضه قبل خمسة عقود، ولو تحوّلت تلك الحرب في محطات لاحقة إلى حرب أهلية طائفية طاحنة. والحال أن الحرب الحالية الناشبة بين إسرائيل و"حزب الله" منذ الثاني من آذار الماضي، سجلت تحولات بنيوية استراتيجية بالمقارنة مع الحروب التي خاضها الفريقان منذ العام 2006 تحديدًا، لأن ما قبل الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000 كان مختلفًا. لم تختلف طبيعة حرب التصفيات الاستهدافية التي تشنها إسرائيل على "حزب الله" هذه المرة عن تلك التي اعتمدتها في الحرب السابقة، التي توجتها في الاغتيالات بتصفية الأمين العام السابق للحزب السيد حسن نصرالله، كما بواقعة "البيجر". ولكن ما اختلف جذريًا واستراتيجيًا هو منحى الاجتياح الميداني، الذي يشكل بالمنحى الذي تعتمده الآن أشد الأخطار على لبنان لجهة اتباع نهج تفريغ مناطق الجنوب حتى الليطاني، وربما بعده شمالًا، تفريغًا سكانيا كارثيًا وتهجير النازحين إلى داخل المناطق اللبنانية الأخرى كافة، مع كل ما يرتبه ذلك من حقن للبلد بعوامل التوتر والتحفّز للاضطرابات على اختلافها. ومع كل ذلك، سيمر شهران بعد أيام على هذه الحرب، ولا يزال "حزب الله" يثبت امتلاكه القدرات النارية الوافرة والقتالية الميدانية في مواجهة الفرق العسكرية الإسرائيلية، بما يعني أن الحرب لن توقفها موجات دموية كتلك التي شنتها إسرائيل في الثامن من نيسان، لكنها ستطيل أمد الاستنزاف، ومعه تثبيت واقع تهجير مئات آلاف اللبنانيين وتثبيت واقع احتلالي طويل الأمد، ربما في شريط حدودي جنوبي محدث على مساحة عشرة كيلومترات على الأقل. هذه الحرب قد لا ترقى استراتيجيًا إلى مستوى اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، بحيث تجاوزت بيروت، مع كل ما رافق ذاك الاجتياح وأعقبه من زلازل هزّت الشرق الأوسط كله آنذاك، ولكنها قطعاً من الجانب اللبناني العام الصرف قد تشكل أشرس التداعيات إطلاقاً لكل الحروب، لأن مناعة لبنان واللبنانيين على الصمود والاستمرار من حرب إلى حرب قد زالت تماماً بلا أي مغالاة. بمفهوم التاريخ والمعاناة، هذه الحرب هي حرب الحروب، ليس في تداعياتها ونتائجها الكارثية مهما أفضت إليها استراتيجياً من انتصارات وهزائم، بل لكون اللبنانيين يقفون عند معالم يأس من مفهوم وواقع الحماية، لأنهم يتثبتون مع يومياتهم من استحالة قيام دولة تسقط قدر الحروب القاتل هذا.

هذا المقال يحتوي على 515 كلمة ويستغرق 3 دقائق للقراءة



إقرأ المزيد