أنثى الفيل.. وأنثى الكلب !!
إيلاف -

ليلى أمين السيف

قبل أن نتفلسف في التربية دعونا نأخذ درسا سريعا من الطبيعة، درسا لا يُدرّس في الجامعات لكنه يفضح الكثير. أنثى الفيل تحمل صغيرها قرابة 22 شهرا أطول فترة حمل بين الثدييات تقريبا.

عامان كاملان من الانتظار، من التغذية، من العناية. وحين يولد لا يُرمى في الحياة دفعة واحدة بل يُحتضن سنوات داخل القطيع، يتعلم فيها كل شيء بهدوء وثبات.

في الجهة الأخرى، أنثى الكلب تحمل ما يقارب من 58 إلى 68 يوما فقط، ثم تُنجب عددا من الجراء دفعة واحدة يكبرون بسرعة، ينتشرون، يعتمدون على أنفسهم مبكرا ومن لم يستطع أن يشق طريقه سقط في الزحام دون أن يلتفت إليه أحد.

هنا لا نتحدث عن حيوانٍ أفضل من آخر، بل عن طريقتين مختلفتين في التعامل مع المسؤولية: طريقة تُبطئ لتبني إنسانا وطريقة تُسرع لتُنتج عددا..

والسؤال الذي لا مفر منه.. حين نُنجب هل نُربي فعلا؟ أم نُسلّم أبناءنا للحياة ونأمل أن «يتدبّروا أنفسهم بأنفسهم؟»

أما السؤال الذي يحرجنا قليلا «نحن أقرب لأيّهما؟»

أنا لا أعيش هذه الأيام كجدة تقليدية، بل كمن دخل في مهمة إنقاذ عاجلة بطلتها طفلة صغيرة وساحتها بيت هادئ في السويد، وعدوها الحقيقي ليس شخصا بل مهزلة التربية الحديثة.

استأذنت ابنتي وزوجها كي أحظى بشرف صحبة طفلة صغيرة كي أساعد ابنتي الصغيرة المشغولة بدوامة الحياة من عمل ودراسة وتربية وجهاد يومي لا ينتهي.

نظرت إلى حفيدتي وقلت في سري: لا يا عزيزتي لن أترككِ ضحية هذه الكذبة الأنيقة: «التربية الحديثة» حيث أصبح الوالدان اليوم أشبه بخدمة عملاء للأطفال ويصبح الطفل «مديرا عاما» للمنزل: يقرر متى يدرس وماذا يرتدي وحتى متى يبتسم ونحن نقف خلفه بابتسامة مصطنعة نترقب اللحظة التي سيُسجّل فيها تقرير إنجازاته.

ولأن «المدير الصغير» لا ينفذ الأوامر بالمجان فقد تحول نظام التحفيز من «تربية» إلى «قسم مبيعات»؛ فأنزلق التشجيع الذكي ليصبح مقايضة علنية! وبدلا من أن يكون التحفيز وقودا داخليا للإنجاز تحول الأهل إلى «سماسرة مكافآت» فالطفل لا يشرب الحليب إلا بعمولة ولا يرتب غرفته إلا إذا تم وعده بوقت إضافي لمشاهدة كرتونه المفضل أو بفرصة لاختيار وجبته القادمة ولا يهدأ إلا بصفقة آيباد جديدة.

نحن نغرس فيه الرغبة. نعم، لكننا ننسى أن نعلّمه الانضباط الذاتي بعيدا عن منطق «كم ستدفع لي مقابل هذا السلوك؟» للأسف لقد نشأ جيل كامل معتقدا أن الحياة قائمة على العمولات والحوافز فقط، وأن الانضباط مجرد كلمة قديمة.

أعود لصغيرتي وأبدأ معها بالحروف العربية وحفظ السور القصيرة من القرآن فتقبل وكأنها جنية صغيرة تجوب مملكة المعرفة أحيانا بحماس وأحيانا بمكر طفولي واضح. تساومني على حرف «ب» بقطعة شوكولاتة وعلى «ت» بجولة لعب وعلى «ث» بفرصة للهروب المؤقت. وأنا، بخبرة الجدّة أوافق حينا وأرفض كثيرا كي لا تعتاد الابتزاز.

فنبدأ يومنا وكأنه مغامرة نحاول أن نخلط بين القديم والحديث، بين الحزم والدلال، ونوازن بين تعليم الانضباط وغزل الفرح .

وفي بيئة لا تغفر الهفوات لم تعد التربية مجرد نصائح، بل أصبحت إدارة مخاطر حيث زلة لسان من طفل قد تفقدك إياه للأبد فنحن هنا لا نربي أبناءنا وحدنا: الحكومة وأخصائيو العلاج النفسي والمجتمعي والمجتمع بأسره يشاركنا التربية دوما وبلا إذن!

وبين كل درس وحرف نحفظه وبين كل آية من القرآن نرددها معا، وأثناء غرس القيم والدين في قلبها أدرك أن ما نصنعه هنا ليس مجرد تعليم بل بناء لجذورها وهويتها. ففي الخارج كل شيء يقول لها: كوني مثلنا. لغتنا، طريقتنا، إيقاعنا.

وأنا في الداخل أبني لها عالما صغيرا يهمس: لكِ جذور أيضا لا تنسيها.

أشعر أنني لا أربي طفلة بل أقاوم تيارا كاملا.

وبخبرة السنين فقد رأيت الفخ كما رأه الكثير واستشعرت خطر: فخ «التربية الحديثة» الذي يبدو رحيما جدا لدرجة أنه يسحب المسؤولية من يد الأهل بهدوء. كل شيء يجب أن يكون سهلا، ممتعا، بلا ضغط، بلا توجيه صارم، بلا حدود واضحة ثم نتفاجأ أن الطفل لا يعرف أين يقف ولا كيف يواجه الحياة وكيف ينمي المهارة ومن في حياته القدوة.

الطفل ببساطة لا يحتاج أن تُرفع عنه كل القيود ولا أن يُترك يسبح بلا مجداف في بحر الحياة بل يحتاج إلى يد ثابتة تعرف إلى أين تمشي به وتهديه برفق لكنها حازمة حتى يتعلم أين تكون قوته وكيف يحمي ذاته ويعيش بأمان في هذا العالم الكبير. ومتى غاب هذا التوجيه يبدأ الفخ التالي الذي يقع فيه كثير من الأهالي: الاعتقاد أن الأخوة يكملون دور الوالدين.

و قد كنت دائما ضد فكرة «أنجبيهم وراء بعض وهم يربّون بعضهم». هذه ليست خطة تربوية هذه حالة طوارئ طويلة. حين يتحول الأخ الأكبر إلى أب بديل والأخت الكبرى إلى أم مؤقتة فهنا لا نُخرّج أطفالا بل نُخرّج أرواحا مُرهقة قبل أوانها.

التربية ليست عملية توزيع أدوار بين الصغار بل مسؤولية يتحملها الوالدان أو لا تتحقق أصلا.

ولهذا، حين أنظر إلى حفيدتي وهي تتهجّى كلمة صغيرة أراها أكبر من ذلك بكثير. أراها مشروع إنسان يتشكل أمامي. كل حرف يدخل عقلها وكل عادة تلتقطها وكل ضحكة نزرعها في قلبها هي جزء من بناء طويل لا علاقة له بالصدفة.

وهنا أتذكر دائمًا تلك المقارنة التي قد تبدو قاسية لكنها حقيقية بشكل مزعج: هناك من يتعامل مع الإنجاب بعقلية «الكثرة» وهناك من يتعامل معه بعقلية «الاستثمار».

صحيح أن الهداية بيد الله ولكن دورنا هو تفعيل الأسباب فالهدايةُ مَنحة ربانية لكن طريقها يُمهَّد بالجهد البشري، ومن الغبن حصر صلاح الأبناء في «القدر» مع إهمال «السبب». إننا لا نملك النتيجة لكننا نُسأل عن المقدمات ومن يرجو الحصاد دون غرس فقد أخطأ فهم سنن الله في خلقه.

أن تُنجب طفلا ليس إنجازا يُذكر فالإنجاز الحقيقي أن تبقى حاضرا بعد ذلك يوما بعد يوم، تفهم، تصبر، تعيد المحاولة، وتبتكر ألف طريقة لتوصيل فكرة واحدة دون أن تكسر الروح الصغيرة.

وأنا، في مغامرتي اليومية مع هذه الطفلة الصغيرة أتعلم قبل أن أُعلّم. أكتشف أن التربية ليست أوامر بل فن. ليست سيطرة بل علاقة. ليست صراخا بل ذكاء طويل النفس. وحين تنجح في أن تجعل طفلا يتعلم وهو يضحك فقد ربحت المعركة كلها دون أن يشعر أحد أنك كنت تقاتل.

في النهاية، المسألة ليست «من ينجب أكثر» بل «من يترك أثرا أعمق»

وليس كل من أنجب ربّى لكن كل من ربّى بصدق، فقد صنع فرقا لا يُقاس بعدد بل بجودة إنسان.

وأنا هنا لا أحاول أن أصنع منها طفلة مثالية، بل أحاول فقط أن لا أتركها للصدفة أو للحياة أن تصنعها.



إقرأ المزيد