شعور محزن وطريف في الوقت نفسه، أن نتابع أخبار الحرب لحظة بلحظة، ثم نكتشف أننا نفهم ما يحدث من زاوية الآخرين أكثر مما نفهمه من زاويتنا نحن. نقرأ كثيراً، نحلل أكثر، لكننا في النهاية نعيد إنتاج روايات لا تخصنا بالكامل، ولا تعكس موقعنا الحقيقي في هذا الحدث المتسارع!.
في الحرب المرتبطة بإيران اليوم، لا تكمن الإشكالية في كثرة المعلومات، بل في طبيعتها، كون ما يُنشر ليس مجرد أخبار، بل روايات تُبنى وفق مصالح، وتُصاغ وفق جمهور محدد، كل ما يصل إلينا يحمل سياقاً مختلفاً، زاوية نظر مختلفة، وأولويات لا تشبه أولوياتنا، وهنا تبدأ الفجوة بين ما يُقال، وما نحتاج أن نفهمه فعلاً.!
الإعلام الأمريكي الذي نتابعه على سبيل المثال، رغم قوته ومهنيته، لا يعمل كمرآة للعالم، بل كمرآة لبيئته، فما يُكتب عن الحرب ينطلق من أسئلة داخلية تخص صانعه، كيف تؤثر هذه الحرب على قراره، على اقتصاده، وعلى رأيه العام. بينما نحن، في السعودية والخليج، نبحث عن إجابات مختلفة تماماً، كيف سينعكس هذا التصعيد على أمن المنطقة، على أسواق الطاقة، وعلى الاستقرار الإقليمي، هذه الأسئلة لا نجد لها حضوراً كافياً، لأنها ببساطة ليست محور ذلك الإعلام؟!.
الإشكالية تتضاعف حين تنتقل هذه الروايات إلى وسائل التواصل الاجتماعي، تنوع المصالح داخل الإعلام، واختلاف زوايا الطرح، يجعل الرواية غير واحدة من الأساس، لكن ما يحدث أن هذه الروايات تُختصر وتُتداول وكأنها حقائق مكتملة. تنتشر بسرعة، وتتحول من “وجهة نظر” إلى “معلومة مؤكدة”، دون قراءة نقدية.
هذه الحالة ليست جديدة، بل تكررت في أكثر من محطة، في حرب كبرى، سادت رواية رسمية حول مبررات التدخل، قبل أن تتكشف لاحقاً فجواتها. وفي حرب أخرى طويلة، قُدمت الأحداث ضمن إطار واحد، بينما كان الواقع أكثر تعقيداً. وحتى في قضايا أمنية حساسة، بدأت التساؤلات من أطراف محدودة، قبل أن تتحول إلى نقاش عالمي. في كل هذه الأمثلة، لم تكن الحقيقة غائبة، لكنها لم تكن مكتملة منذ البداية.
وما لفت انتباهي مؤخراً بهذا الجانب، طرح وزير الإعلام الكويتي السابق سعد بن طفلة في لقاء عبر قناة العربية مع المذيع نايف الأحمري، حين تناول زاوية الإعلام الخليجي في التعاطي مع الحرب على إيران، وأكد أهمية أن نمتلك قراءتنا الخاصة، المنطلقة من واقعنا ومصالحنا، لا من انعكاس ما يُطرح خارجياً، طرح مباشر يعيد تعريف موقعنا في الحدث، لا كمشاهدين، بل كأطراف معنية.
ما يحدث اليوم يعيد إنتاج المشهد ذاته، لكن بوتيرة أسرع، الأخبار تنتشر فوراً، والروايات تتعدد، بينما الفهم الحقيقي يحتاج وقتاً لا تمنحه سرعة اللحظة. وهنا يصبح التحدي ليس في الوصول إلى المعلومة، بل في قراءتها.
المشكلة أننا في كثير من الأحيان نكتفي بالنقل، دون أن نبني سياقاً يربط الحدث بنا، نتابع الخبر، لكن لا نفسره من موقعنا، فتتحول المتابعة إلى استهلاك، لا إلى فهم للاسف..!!
نحتاج إعلاماً لا يكتفي بمتابعة الحرب، بل يفهمها من موقعه، إعلام يربط الحدث بتأثيره علينا، ويطرح الأسئلة التي تهمنا، ويقدّم قراءة تضيف، لا تكرر، لأن الإشكالية ليست في كثرة الروايات، بل في غياب روايتنا، التي إذا امتلكناها سنعرف كيف نقرأ ما يُقال…!!


