روسيا والولايات المتحدة تقتربان من نقطة استخدام الأسلحة النووية.. كل على جبهته
روسيا اليوم -

إنها حرب عالمية هجينة تسعى فيها الأطراف إلى استنزاف موارد بعضها البعض وزرع جرثومة انهيار العدو من الداخل، ومنذ بداية الحرب في إيران، من المرجح أن تكون هذه العملية قد تسارعت على نحو لا رجعة فيه، حتى لو نجح ترامب فجأة في الإفلات من الفخ الذي نصبه لنفسه، وحتى لو رفع الحصار عن مضيق هرمز.

إقرأ المزيد

لقد تكبّد الاقتصاد العالمي بالفعل خسائر فادحة، فقد تم سحب كميات هائلة من النفط والغاز والأسمدة من الأسواق العالمية لمدة طويلة خلال فترة حرجة للغاية (موسم زراعة المحاصيل في نصف الكرة الشمالي). ومن المؤكد أن أسعار الطاقة والغذاء العالمية سترتفع بشكل حاد خلال بضعة أشهر. ومن المرجح أن يؤدي ارتفاع التضخم إلى سلسلة من التداعيات، تشمل انهيارات في أسواق الأسهم، وانفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، وانكماش صناعي في الولايات المتحدة وأوروبا والصين، ما سيدفع البنوك المركزية العالمية إلى موجة أخرى من طباعة النقود الورقية بلا غطاء، ويزيد من تسارع التضخم العالمي. وبحلول الخريف، وربما قبل ذلك في الدول الفقيرة، ستبدأ أزمة الطاقة بالتحول إلى أزمات اجتماعية وسياسية، مما سيزيد من تدمير اقتصادات هذه الدول والعالم أجمع.

كان ذلك هو السيناريو المتفائل.

لا يوجد دليل حتى اللحظة على اقتراب الحرب في إيران من نهايتها. تظهِر السلطات الإيرانية، بطبيعة الحال ومقتضيات المنطق، نيتها الإبقاء على حصار مضيق هرمز حتى تلبية مطالبها، التي تعد، حتى في أبسط صورها، مهينة للغاية وغير مقبولة بالنسبة للولايات المتحدة. ومهما ادعى ترامب تحقيق أهدافه وإنهاء الحرب سريعا، فإن أقصى ما يمكن تحمله هو هدنة لبضعة أسابيع، وبعدها سيضطر إلى استئناف الحرب بسبب استمرار حصار مضيق هرمز. ومن الطبيعي أن تواجه إيران إغراء إفلات ترامب وتجنب المزيد من الدمار للبلاد، إلا أن ترامب ونتنياهو، أثبتا مع الوقت، نيتهم ضرب إيران عند أول فرصة سانحة، ما يجعل الإيرانيين على الأرجح سيفضلون أمنهم على المدى البعيد عن إغراءات المدى القصير. علاوة على ذلك، قد لا تتكرر فرصة طرد الأمريكيين من المنطقة واستعادة مكانة إيران كقوة إقليمية. ومن المرجح أن ترامب يدرك ذلك، بالنظر إلى استمرار تركيز القدرات العسكرية الأمريكية حول إيران، ما يعني أن الحرب على الأرجح ستستمر.

إقرأ المزيد

لكن أي قوة تقليدية أمريكية، حتى لو انضم إليها جميع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين، لن تكون كافية لضمان الملاحة الآمنة في مضيق هرمز، حيث بإمكان لغم بحري واحد أو ضربة بطائرة مسيرة على ناقلة نفط أن تثني جميع قباطنة الناقلات عن الإبحار في المضيق. قد يبقى مضيق هرمز مغلقا لسنوات، وإذا تصاعد الصراع، فقد تغلق جماعة "أنصار الله" هي الأخرى مضيق باب المندب.

ولا يمكن حل هذه القضية إلا بكسر إرادة إيران في المقاومة، وإجبار البلاد على الاستسلام نفسيا. وفي ظل الظروف الراهنة، لا أرى كيفية تحقيق ذلك دون اللجوء إلى الأساليب التي استخدمها الأنغلوساكسون ضد ألمانيا واليابان خلال الحرب العالمية الثانية، أي دون تدمير شامل لسكان العدو ومدنه، وهو أمر لا يمكن تحقيقه في الظروف الحالية إلا بالأسلحة النوية.

فتدمير محطات توليد الطاقة وتحلية المياه الإيرانية لن يحدث ضررا أقل من ذلك، لكنه من غير المرجح أن يحدث بسرعة كافية وسيتسبب في صدمة نفسية أقل وطأة، ما يعي أنه من غير المرجح أن يؤدي إلى استسلام سريع لإيران. بعد ذلك، لن يكون أمام ترامب خيار سوى اللجوء إلى الأسلحة النووية لحل القضية بشروط مقبولة لديه.

علاوة على ذلك، لا تنتهي أوجه التشابه مع الحرب العالمية الثانية عند هذا الحد. ففي ذلك الوقت، لم يقم الرئيس الأمريكي ترومان بقصف اليابان بالأسلحة النووية لإجبارها على الاستسلام (الذي كان حتميا على أي حال) فحسب، بل وأيضا لإظهار قوة السلاح النووي أمام ستالين في المواجهة الناشئة بالفعل بين الاتحاد السوفيتي والغرب.

لا تحتاج واشنطن إلى مثل هذه الخطوة الاستعراضية بشكل أقل الآن، بل ربما تحتاجها بشكل أكبر مما كانت عليه الأوضاع نهاية الحرب العالمية الثانية، فالولايات المتحدة الآن أضعف، وتعاني من الهزيمة.

في غضون ذلك، ومنذ عدة أيام، تقوم طائرات مسيرة أوكرانية بتدمير محطات النفط الروسية في موانئ بريمورسك وأوست لوغا على بحر البلطيق، وهو ما يعطل فعليا صادرات روسيا عبر بحر البلطيق، التي تشكل 48% من إجمالي صادرات النفط الروسية المنقولة بحرا في عام 2025. وتحلق هذه الطائرات المسيرة دون عوائق فوق فنلندا وإستونيا، أو تطلق مباشرة من أراضيهما. وبغض النظر عن هوية مالكي هذه الطائرات، فإن تورط هذه الدول في الهجمات واضح لا يمكن إنكاره بموجب جميع قوانين الحرب.

إقرأ المزيد

لا يبدي الكرملين أي رد فعل علني على هذا، برغم أنه عدوان صريح من حلف "الناتو"، ومن الواضح أنها خطوة من المرجح أن تزعزع استقرار الاقتصاد الروسي بحلول نهاية هذا العام.

لماذا يقع هذا العدوان الآن تحديدا؟ ولماذا في بحر البلطيق وبمشاركة دول "الناتو"، بدلا من توجيه ضربات مماثلة، مثلا، إلى محطات النفط الروسية في البحر الأسود أو توسيع نطاق الهجمات على ناقلات النفط الروسية؟ ففي نهاية المطاف، هي قفزة لعدة درجات على سلم التصعيد وهو أمر انتحاري بالنسبة لأوروبا.

من الواضح أنها محاولة يائسة، وربما أخيرة، من جانب بريطانيا وحلفائها الأوروبيين لاستفزاز مواجهة عسكرية مباشرة بين روسيا و"الناتو"، وبالتالي جر الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع روسيا. ولن يتمكن ترامب حينها من تجنب ذلك، مهما قال عن إعادة النظر في العلاقات مع هذا التحالف.

بطبيعة الحال، يتعين على بوتين أن يبذل كل الجهود لمنع تطور الأحداث في هذا الاتجاه، وهو ما سيحدد طبيعة أفعاله خلال الأشهر القليلة المقبلة على الأقل.

مع ذلك، فقد تلقى الاقتصاد الروسية ضربة قاسية بالفعل، وقد تكون هذه الضربة كارثية إذا انهارت روسيا قبل أوروبا على الأقل. وقد صرح بوتين نفسه بذلك، ولا يترك منطق ميزان القوى لروسيا خيارا آخر: فالحرب مع أوروبا ستكون حربا نووية، على الأقل إذا ما أرادت روسيا فيها امتلاك فرصة للنصر.

في رأيي المتواضع، تبدو مسألة المواجهة المباشرة بين روسيا وأوروبا قد حسمت بالفعل، أو بالأحرى تحددت مسبقا بفعل تصرفات أوروبا، إلا أنها مواجهة مؤجلة في الوقت الراهن إلى حين اتضاح الوضع المحيط بإيران. وكما ذكرت سابقا، فمن المرجح أن تكون هذه المواجهة نوويا.

إقرأ المزيد

وهكذا، تنجرف كل من الولايات المتحدة وروسيا بسرعة نحو وضع لا مفر فيه من استخدام الأسلحة النووية، أو على الأقل يصبح فيه احتمال استخدامها مرتفعا للغاية. وحتى لو تحلّت الدولتان بالصبر وضبط النفس، فقد وجدتا نفسيهما بالفعل في وضع لم تعد فيه تصرفاتهما محكومة بسباق التحمل. فالانهيار الاقتصادي أو الأزمة السياسية الداخلية الحادة قبل الانهيار الشامل للبلاد سيؤدي إلى هزيمة عسكرية: بالنسبة للولايات المتحدة في إيران، وبالنسبة لروسيا في أوكرانيا ومنطقة بحر البلطيق.

أي أنه، وعلى عكس المرحلة السابقة من المواجهة، يمتلك كل البلدين هدفا آمنا نسبيا لاستخدام الأسلحة النووية، وذلك لمعالجة أزماتهما الاقتصادية الداخلية والعسكرية الخارجية، ولتأكيد موقفهما في الحوار المتبادل. وبينما يمتنع كلا الجانبين حاليا عن استخدام الأسلحة النووية، في محاولة لمنح العدو "شرف" المبادرة باستخدام الأسلحة النووية، وهو شرف مشكوك فيه، فإنه بمجرد استخدام أحدهما الأسلحة النووية، فمن المرجح أن يحذو الآخر حذوه على الفور.

المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف

رابط قناة "تلغرام" الخاصة بالكاتب

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

إقرأ المزيد


إقرأ المزيد