حين تقرر الخوارزمية من يعيش ومن يموت!
إيلاف -

إيلاف من الرياض / المنامة / لندن: في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، قبل أن يسمع أحد بالحرب، كانت الخوارزميات تعمل. فالضربة الأولى لم تكن صاروخًا، بل كانت بيانات. ملايين الصور الفضائية وشبكات الاتصال وأنماط حركة البشر تُحلَّل في أجزاء من الثانية. النتيجة: أكثر من 1000 هدف في الساعات الأربع والعشرين الأولى وحدها.
لم يكن ذلك قرار جنرال، بل كان مخرج خوارزمية لا تتعب، ولا تتردد، ولا تشعر بشيء إطلاقًا!

ما الذي تغيّر؟
الجيوش التقليدية كانت تعمل عبر جندي يرصد، وضابط يتلقى المعلومة ويوصي، وقائد يأمر بالتنفيذ.
كل خطوة فيها إنسان يفكر ويتحمل مسؤوليته الإنسانية والأخلاقية ربما.
الذكاء الاصطناعي، في شقه العسكري، غيّر هذه المعادلة. اليوم، نظام رقمي يرصد ألف هدف، يحللها، يصنّفها، ويقترح متى وكيف تُضرب، في دقائق معدودة.
الإنسان هنا أصبح مجرد توقيع أخير على قرار اتخذته الآلة بالفعل.
يبدو هذا تقنيًا آليًا، لكنه في جوهره سؤال إنساني لم تواجهه البشرية من قبل على هذا النحو وبتلك السرعة: حين تُخطئ الآلة وتقتل أبرياء، من يتحمل المسؤولية؟

الاغتيال بالخوارزمية
رافقتُ كل تحول تقني كبير في العقود الماضية، لكن ما رأيته يتشكّل في السنوات الأخيرة، وفي منطقتنا، تجاوز كل ما توقعته.
إسرائيل أمضت سنوات في اختراق كاميرات المرور وشبكات الهواتف في إيران ولبنان، وجمعت مليارات نقاط البيانات. الذكاء الاصطناعي حلّل هذه البيانات لرسم "أنماط حياة" المرشد الإيراني المغتال علي خامنئي، حركاته، مواعيده، دائرته الأمنية الداخلية.
النتيجة كانت عملية اغتيال دقيقة لرجل يُعدّ (افتراضًا) من أكثر المحميين في العالم، مع أبرز قيادته، فيما عملية الاصطياد مستمرة.

خيال علمي يفجّر!
في سبتمبر 2024، فجّرت إسرائيل آلاف أجهزة النداء الآلي "البيجر" التي يستخدمها عناصر حزب الله في لبنان وسوريا في وقت واحد، ما أسفر عن عشرات القتلى وأكثر من 3000 جريح.
لم يكن ذلك قنبلة أو صاروخًا، بل كان جهاز اتصال عاديًا تحوّل إلى سلاح بعد أن تسللت إليه يد رقمية غير مرئية.
تبع ذلك اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، ثم خلفه هاشم صفي الدين، ثم كبار قادة الجناح العسكري إبراهيم عقيل وعلي كركي ومحمد سرور.
قيادة بأكملها مُحيت تمامًا في أشهر معدودة، بدقة لم يعرفها أي جيش في التاريخ.
الذكاء الاصطناعي لم يُطلق النار، لكنه حدّد من يُستهدف، ومتى، وأين.

إيران: الاختبار الأكبر
الحملة الأمريكية الإسرائيلية على إيران تمثّل أول نشر واسع النطاق لأنظمة استهداف بالذكاء الاصطناعي التوليدي ضد دولة ذات سيادة، ميدان اختبار حقيقي للحرب الخوارزمية.
الجيش الأمريكي أكد رسميًا توظيف أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة تحوّل عمليات كانت تستغرق أيامًا إلى ثوانٍ، مع تأكيد أن البشر يتخذون القرارات النهائية.
لكن أيضًا، وفي اليوم الأول ذاته، استُهدفت مدرسة ابتدائية للبنات في جنوب إيران، وقُتل 168 شخصًا، معظمهم أطفال، وأشارت التحقيقات إلى معلومات استخباراتية قديمة وراء الخطأ.
الخوارزمية أخطأت، الأطفال دفعوا الثمن، ولم يعرف أحد بدقة أين انتهى قرار الإنسان وأين بدأ قرار الآلة… ولا شعور هنا بالندم!

أمريكا أيضًا تمارس وتوظف هذا النهج مبكرًا منذ سنوات. من اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في بغداد عام 2020 بضربة صاروخية دقيقة، إلى استهداف قيادات الميليشيات في العراق وسوريا، كلها عمليات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في جمع البيانات وتحليل الأنماط وتحديد اللحظة المثلى للضربة.
السلاح لم يتغير فقط، فقد تغيّرت فلسفة الحرب ذاتها.

الحرب الأولى للذكاء الاصطناعي لم تُعلن عن نفسها، لكنها هنا، في كل ساحة.
الحرب الأولى للذكاء الاصطناعي لم تُعلن عن نفسها، لكنها هنا، في كل ساحة

أوكرانيا: المختبر!
الطائرات المسيّرة باتت تتسبب في 70 إلى 80 بالمئة من الإصابات في ميادين القتال الأوكرانية. نظم الاستهداف بالذكاء الاصطناعي رفعت دقة الضربات من 30% إلى 80%.
المشهد المكرر أبلغ من أي شرح: شاب في قبو، أمامه لابتوب، يوجّه درونًا يزن كيلوغرامًا، بتكلفة 400 دولار فقط، يضرب دبابة تساوي ملايين. إضافة نظام الاستهداف الذكي لهذا الدرون باتت تكلف 25 دولارًا فقط.
الحرب لم تعد حكرًا على الجيوش الضخمة والدول الكبرى فحسب. في مطلع 2026، آلاف الروبوتات البرية تزحف عبر خطوط المواجهة في شرق أوكرانيا، بعضها لنقل الإمدادات، وبعضها مسلح ومستقل.
أوكرانيا تواجه جيشًا أكبر منها بمرات، فاختارت أن تستبدل جزءًا من جنودها بآلات لا تتعب ولا تخاف.
روسيا، في المقابل، تعمّق تعاونها مع الصين في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي عسكرية، وتورد الصين نحو 80% من التقنيات الحيوية المستخدمة في الطائرات المسيّرة الروسية.

تايوان: الخوارزميات تستعد
الصين، المتقدمة في الذكاء الاصطناعي بفارق كبير، رفعت ميزانيتها العسكرية 7% في 2026، مع تركيز معلن على الذكاء الاصطناعي العسكري وتقنيات "الحرب الذكية".
ما يجري في مضيق تايوان الآن، هذه اللحظة، ليس حربًا بعد، لكنه تحضير دقيق لها. الجيش الصيني يريد من الذكاء الاصطناعي أن يعوّض غياب الخبرة القتالية الحقيقية، إذ لم تخض الصين حربًا فعلية منذ 1979.
الخطر ليس في الحرب وحدها، بل في الخطأ المحسوب. نظامان من الذكاء الاصطناعي يتواجهان في مضيق ضيق، قرار خاطئ من خوارزمية واحدة كافٍ لإشعال مواجهة لم يُرِدها أحد.
أيضًا، تايوان تنتج 90% من أكثر الرقائق الإلكترونية تقدمًا في العالم، تلك التي يعمل بها الذكاء الاصطناعي ذاته. أي حرب هناك لن تكون إقليمية، بل ستوقف الاقتصاد الرقمي للبشرية كلها.

"الشك" السلاح الأخطر
مواقع في البحرين وقطر والكويت والسعودية والإمارات وعُمان استُهدفت بصواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية وغيرها. ومعها ظهرت فيديوهات مزيّفة بالذكاء الاصطناعي تُظهر دخانًا فوق أبراج ومدن، وانتشرت قبل أي تحقق.
الناس شاهدوا مشاهد وصور "الدمار" قبل أن يعرفوا إن كانت حقيقية.
هنا يظهر السلاح الأخطر، إنه، أيها السادة، ليس الصاروخ، بل "الشك". حين لا تستطيع التمييز بين الحقيقي والمصنوع، تنهار المعنويات وربما القدرات على اتخاذ القرار.
والحقيقة المؤكدة الآن أن المنطقة تحتاج اليوم منظومات دفاع معلوماتي لا تقل أهمية عن منظومات الدفاع الجوي.

الرعب: من يحاسب من؟!
السؤال الذي لا يملك أحد إجابته بعد.
الحروب القديمة كانت تستهلك الحديد والبارود، أما حروب اليوم فتستهلك البيانات والخوارزميات.
والفارق الجوهري المرعب هنا يتمثل في التالي: إذا كان القرار البشري يُعاد تقييمه، فإن القرار الخاطئ للخوارزمية لا يُسترجع أبدًا ولا يُحاسب!

الأمم المتحدة تعقد اجتماعات حول تنظيم الذكاء الاصطناعي في الحروب، لكن إطارًا دوليًا ملزمًا يبدو بعيدًا، لأن كل دولة كبرى تريد أن تنتهي أولًا من بناء قدراتها قبل أن تقبل أي قيود.
نحن لا نشهد تطور الحرب، بل نشهد إعادة تعريف المسؤولية الإنسانية في أخطر لحظاتها.
والسؤال المزلزل والمعلق، والذي أعتقد سيظل معلقًا طويلًا:
حين تقتل الخوارزمية، من يُحاسب من؟

من يدير الحرب اليوم ليس الجنرالات وحدهم، وليس المحللون الاستراتيجيون.
من يدير الحرب اليوم هم مبرمجون في مكاتب هادئة، يكتبون كودًا لم يروا بسببه رصاصة واحدة، ومحللو بيانات يقرؤون أنماطًا على شاشات، لا وجوهًا في الميدان، وشركات تقنية تبيع "حلولًا دفاعية" لا تعرف، ولا تريد أن تعرف، كيف تُستخدم بالضبط.
القرار العسكري انتقل جزئيًا من غرف العمليات إلى غرف الخوارزميات، والخوارزمية لا تحمل رتبة عسكرية، ولا تُمثَّل أمام محكمة، ولا تُفكّر في ما بعد الضربة.
هذا هو التحول الأكثر خطورة ورعبًا!

إلى اللقاء... 



إقرأ المزيد