إيلاف - 3/30/2026 7:14:25 AM - GMT (+3 )
⁃ الذكاء الاصطناعي لا ينتظر، وهذه التقارير لن تنتظر أيضاً — ستصبح من الماضي غداً!
إيلاف من لندن والرياض والمنامة: في مكانٍ ما الآن، طبيبٌ يراجع تشخيصًا اقترحه برنامجٌ ذكي قبل أن يفتح ملف المريض. محامٍ يوقّع على مذكرة صاغها الذكاء الاصطناعي في دقائق، بعد أن كانت تستنزف أيامًا وأسابيع للمراجعة. وفي مكتب شركة تقنية كبرى، مديرٌ يُبلّغ فريقه بأن عشرةً من زملائهم لن يأتوا غدًا، لأن وكيلًا رقميًا سيتولى مهامهم من الليلة…!
هذا ليس مستقبلًا. هذا اليوم، هذا الأسبوع، هذا الشهر.
• سيرة تقنية
أكتب في التقنية منذ البدايات الأولى للإنترنت، قبل أن تدخل الخدمة رسميًا إلى المنطقة. من منتصف التسعينات تقريبًا، حين كان الاتصال يُقاس بصوت المودم وصبر الانتظار، مرورًا بثورة البث الرقمي، ثم صعود منصات التواصل الاجتماعي التي أعادت تعريف الإعلام والهوية والعلاقات الإنسانية معًا.
رأيت كل موجة تكسر ما قبلها. لكن ما أشاهده اليوم مع الذكاء الاصطناعي يختلف جوهريًا عمّا سبق، في ثلاثة أشياء لم تجتمع من قبل في آنٍ واحد:
سرعة الانتشار، وسرعة توليد النماذج الجديدة، وسرعة التأثير على الحياة الفعلية للناس.
الموجات السابقة كانت تمنحنا وقتًا للتكيّف. هذه لا تمنح أحدًا شيئًا.
• لماذا “باب الذكاء الاصطناعي”؟
الأبواب في التراث العربي لم تكن مجرد مداخل. كانت حدودًا بين عالمين: ما قبل الباب وما بعده، وبينهما لحظة اختيار لا مفر منها.
نحن اليوم أمام باب من هذا النوع تمامًا. باب لا يمكن إغلاقه من الداخل، ولا تأجيل المرور منه. والسؤال الوحيد المتبقي: هل تدخل واعيًا، أم تُجرّك الريح؟
“باب الذكاء الاصطناعي” سلسلة تقارير تصدر كل اثنين وخميس، بالتزامن في صحيفة الأيام البحرينية وصحيفة عكاظ السعودية وإيلاف الإلكترونية. لا تكتفي برصد التقنية، بل تذهب إلى ما تفعله في حياتك، في وظيفتك، في أسرتك، في مشترياتك وسفرك، بل ولغتك، وحتى حدود هويتك.
.jpeg)
• ليست موجة، بل تحوّل..
تحوّل في طبيعة الأشياء. الثورات السابقة كانت تستبدل الأداة بأداة: المحراث بالجرار، والمطبعة اليدوية بالآلة الآلية. أما هذه المرة، فالذي يتغير ليس الأداة، بل العقل الذي كان يستخدمها!
في مطلع 2026، تجاوزت نماذج الذكاء الاصطناعي قدرات العلماء البشريين، وفي الاستدلال العلمي على مستوى الدكتوراه مثلًا، تجاوزت النماذج بأكثر من 21 نقطة مئوية قدرات الإنسان. وهذا التفوق ليس مجرد إنجاز تقني، إنه سؤال فلسفي قديم يطرح نفسه بصورة جديدة وبإلحاح لم نعهده من قبل: ماذا يبقى للإنسان حين لا يعود العقل امتيازه الحصري؟!
مسار الذكاء الاصطناعي المتسارع يؤكد بأن معظم مهام الوظائف المكتبية، من المحاماة إلى المحاسبة إلى إدارة المشاريع، ستتحول إلى أتمتة كاملة خلال 12 إلى 18 شهرًا. ليس بعد عشرين سنة. بعد عام ونصف.
| الرقم الذي يجب أن تعرفه في المؤسسات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي اليوم، يوجد 144 هوية رقمية غير بشرية مقابل كل موظف إنساني واحد. |
نحن لسنا في طريقنا إلى الاستبدال، نحن بالفعل سنصبح أقلية داخل منظوماتنا الخاصة.
الخليج: تحديدًا أكد نوابه، وبوضوح تام، أنه آنَ الانتقال من المتفرج إلى صاحب المصلحة. عبر الخليج كله، لن تكون المنطقة العربية متفرجة هذه المرة.
المملكة العربية السعودية أعلنت 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي، مع مبادرات مليونية سابقة في التدريب والتعليم لكل نماذج الذكاء. في المنامة والرياض، تحوّلت أوصاف الوظائف في قطاعي الخدمات اللوجستية والطاقة من إدخال البيانات والمراقبة إلى الإشراف الخوارزمي والحوكمة الأخلاقية.
لكن هذا الزخم يحمل أسئلة لا تقل ثقلًا عن الأرقام:
هل نبني أم نستهلك فقط؟ هل ستصمد اللغة العربية في بيئة تهيمن عليها الإنجليزية خوارزميًا؟ ومن يحمي البيانات في خوادمها؟ هذه ليست تساؤلات أكاديمية، بل معادلات السيادة في القرن الحادي والعشرين.

ما ستجده هنا، ومع كل تقرير في هذه السلسلة، سيبدأ من مشهد يومي حقيقي: غرفة عمليات، فصل دراسي، طاولة مفاوضات، أو مطبخ منزلي، ثم يذهب إلى السؤال الأعمق:
ماذا يعني هذا لنا نحن بالذات، في هذه المنطقة، بهذه اللغة، بهذا التاريخ؟
لأن التقنية لا تُفهم بمعزل عن الإنسان الذي يعيشها، والذكاء الاصطناعي لا يُقرأ بمعزل عن السؤال الذي يطرحه على الحضارة كلها:
من نحن، حين يصبح التفكير متاحًا للجميع؟
الباب مفتوح. وهذه السلسلة ستقدم بعض الشواهد الرهيبة والعاصفة داخله.
ولنتذكر دائمًا أن الذكاء الاصطناعي ليس خيرًا كله، وليس شرًا جلّه، وهناك أطماع في الكسب السريع، وتكسير تام لقوانين وأنظمة بشرية معتادة. هناك عاصفة قادمة من الفرص، وبعض الآثار الجانبية الحادة أيضًا.
وعلى الخط المتصاعد، حتى هذا الباب قد يتغير، فنحن لا نعيش تسارعًا عاديًا، بل انهيارًا في المسافة بين اللحظات. لم نستوعب بعد ما وصلنا إليه، والموجة التالية لم تنتظر. ما نراه اليوم من نماذج الذكاء الاصطناعي AI (Artificial Intelligence) ليس سوى نقطة على خط متصاعد لا نعرف أين ينتهي — من AI (الذكاء الاصطناعي) يجيب، إلى AGI (الذكاء الاصطناعي العام / General Intelligence) يفكر، إلى ASI (الذكاء الاصطناعي الفائق / Super Intelligence) الذي يتجاوز مجموع البشرية كلها!
نماذج الذكاء ليست أدوات فقط، بل نرسم منحنىً لم يرسمه أحد من قبل.
ولهذا، حتى مسمّى “باب الذكاء الاصطناعي” نفسه قد لا يصمد طويلًا. التسارع رهيب ومذهل، وحجم التغير القادم سيكون بالقدر ذاته. نكتب اليوم بمصطلحات قد تبدو غدًا قاصرة عن وصف ما يحدث الآن وما سيحدث…
إلى اللقاء،
• ناصر صالح الصرامي
"صحفي سعودي — يكتب في مساحة تلتقي التقنية بالإنسان"
@alsaraminasser
إقرأ المزيد


