إيلاف - 3/22/2026 10:00:14 PM - GMT (+3 )
تسرق أجهزة الهاتف الحديثة وقتنا وعقلنا وانتباهنا، وتمنعنا أحيانا كثيرة من الاستمتاع بطعامنا، أو سماع أحاديث غيرنا، وقضاء وقت جميل مع أسرنا، وأصحابنا، وممارسة هواياتنا، وغير ذلك الكثير، لكن جانبها الإيجابي يكمن في مساهمتها في إنارة الطريق أمام الملايين، وتغيير أفكارهم، وبكثافة عالية، وهي مهمة كان يتطلب إيصالها في السابق جهوداً رهيبة وسنوات طويلة، بخلاف التكلفة العالية!
ففي السابق، كان السياسي أو رجل الدين، أو أي شهير، يقول كلمته، وتنقلها الصحف أو الإذاعات عنه، وتنسى غالباً في اليوم التالي. أما الآن فقد تغيّر الحال، وأصبحنا لا نحتفظ فقط بما يقال ونسترجعه وقت الحاجة، بل أصبح الهاتف النقال ينبش «خمال» ما سبق أن قاله هؤلاء، وإعادة نشره، لتصبح الصورة أكثر وضوحاً عن ماضيهم وسابق آرائهم ومواقفهم.
كما أصبح بإمكان أي شخص قضاء كل أعماله، ودفع كل فواتيره، وشراء كل حاجياته، وتجديد ملكية سيارته، أو بيعها، وقبض ثمنها، من خلال تطبيقات سهلة، والقيام بمئات العمليات الأخرى، ومراقبة قيام الغير، نيابة عنه، بتسلّم أية أدوية من صيدليات الحكومة، أو العلم بأن شخصاً ما قام بشراء مواد التموين باسمه، وتسلّم نتائج فحوصات الدم، ومعرفة ساعة مغادرة أي من العاملين لديه، لخارج البلاد، أو عودتهم، إضافة لتلقي رسائل وزارة العدل في ما يتعلق بقضايا المحاكم التي تخصه، وأين بلغت، وتجديد رخص وزارة التجارة، ومعرفة إيداع الراتب أو أرباح الأسهم أو الجمعية التعاونية في حسابه المصرفي، أو تقديم شكاوى للديوان الوطني لخدمة الإنسان، خاصة لغير المواطنين، وتقديم طلبات زيارة نزيل في السجن، أو العلم بأن جهة ما قامت بإصدار وكالة، عامة أو خاصة، من وزارة العدل، لمصلحته، معرفة وضع حساباته المصرفية، وتلقي إشعارات فورية عن أية حركة أو عملية بنكية تُجرى على أرصدته.
* * *
ما لا يعرفه الكثيرون، أو لا يودون التعرّض له أو الحديث عنه، وغالباً لعجزهم في وقفه، ذلك التغير الفكري، الذي تحدثه الرسائل والمقاطع المكتوبة والمصورة على وسائل التواصل المختلفة، في عقول الملايين، سلباً وإيجاباً، وخاصة من الشباب، نتيجة المتابعة المستمرة، التي أصبحت تكشف أموراً لم يكن من الممكن يوماً التعرّض لها، أو سماعها، أو العلم بها، والتي أصبحت سبباً في تغيّر وتقلب أفكارهم ومواقفهم من عشرات القضايا، وخاصة المسلّمات منها، والتي بدأت تهتز مع اهتزاز صور الكثير من الشخصيات، خاصة المعاصرة، التي كانت يوماً مؤثرة في حياتهم، بعد انكشاف ضحالتها، وكذبها ووصوليتها.
أحمد الصراف
إقرأ المزيد


