نرتمي بثقة لأن الوطن لا يُفلت أبناءه!
إيلاف -

هناك لحظة لا تُنسى في ذاكرة الطفولة حين يرفع الأب طفله عاليًا ويتركه لثوانٍ في الهواء ثم يلتقطه قبل أن يلامس الأرض. تلك الثواني القصيرة لا تحمل خوفًا بل ثقة مطلقة والطفل لا يسأل هل

منيرة أحمد الغامدي

هناك لحظة لا تُنسى في ذاكرة الطفولة حين يرفع الأب طفله عاليًا ويتركه لثوانٍ في الهواء ثم يلتقطه قبل أن يلامس الأرض. تلك الثواني القصيرة لا تحمل خوفًا بل ثقة مطلقة والطفل لا يسأل هل سيسقط؟ بل يضحك لأنه يعرف - دون أن يفسّر - أن هناك يدًا لن تتركه، وهكذا هو الوطن.

في أوقات الهدوء قد لا نفكر كثيرًا في معنى الأمان لأننا نمارسه كعادة يومية فنخرج نعمل ونخطط ونحتفل، ولكن حين تهبّ رياح التهديد وحين تحاول يد خائنة أن تمسّ أرضنا وسماءنا ندرك فجأة أن ما نملكه ليس أمرًا يسيراً بل نعمة عظيمة بُنيت بعقود من الرؤية والحزم واليقظة وأعين لا تنام.

ذلك الإحساس العميق الذي يسكننا - أننا لن نسقط - ليس صدفة بل هو امتداد لثقة زرعتها قيادة تعرف أن حماية الوطن ليست شعارًا بل مسؤولية يومية تُدار باقتدار وبعقل تخطيط رشيد ودراية ورؤية تُبنى بمنظومة أمنية تُدرك أن كل مواطن هو أمانة وكل شبر غالٍ

نحن لا نرى كل ما يحدث خلف الكواليس ولا نسمع كل القرارات ولا نتابع كل الجهود التي تبذل ليلاً ونهاراً، لكننا نستشعر النتائج ونعيشها ونراها في سماءٍ تُحمى وفي حدودٍ تُصان وفي استقرارٍ يجعلنا نخطط للغد بثقة لا تتزعزع تمامًا كما يضحك الطفل لأن هناك من سيلتقطه. وفي تفاصيل حياتنا الصغيرة، يتجلى هذا الأمان أكثر مما نتخيل أو نعتقد.

في أمٌّ تطمئن على أبنائها قبل النوم دون خوف وأبٌ يعود متأخرًا وهو يعلم أن الطريق آمن، وطفل يركض في الحي ويتنقل في شارع محمي، وكل رصيف هو له متكأ. كلها قد تبدو مشاهد عادية وروتينية لكنها في حقيقتها ليست كذلك إنها نتيجة وطنٍ يُحسن حراسة أبناءه فيؤدون أعمالهم بكل أمانة وإخلاص.

الوطن ليس جغرافياً بل هو حالة شعور، وهو ذلك الإحساس الذي يجعلك تقول أنا هنا لأن هناك من يحفظ هذا المكان لي وبدونه لا يكون الإنسان شيئًا يُذكر. ولهذا، فإن كل محاولة للنيل من هذا الوطن هي محاولة لانتزاع تلك الثقة من داخلنا، لكن ما لا يدركه أولئك الحمقى أن هذه الثقة لم تُبنَ في يوم ولن تُهدم بمحاولة لأنها متجذرة في تاريخ وفي قيادة وفي شعب يعرف ويدرك تماماً أن بقاءه من بقاء وطنه.

وحين يأتي العيد نلبس أجمل ما لدينا ونتبادل التهاني ونفتح بيوتنا وقلوبنا. العيد في صورته التقليدية هو فرح عابر لكنه في الحقيقة إعلان غير مباشر عن أعمق ما نملكه وهو الآمن والأمان، ولا يمكن للعيد أن يكون عيدًا حقيقيًا دون وطنٍ مستقر ودون شوارع مطمئنة ودون سماءٍ لا نخشى النظر إليها والعيش تحتها، ونحتفل لأننا نثق، ونبتسم لأننا نطمئن، ونجتمع لأن هناك من يحفظ لنا هذه الحقوق الثمينة.

في كل تكبيرة عيد هناك معنى يتجاوز الكلمات، ومعنى يقول إن هذا الفرح لم يأتِ وحده بل حُمي وصين ووُهب لنا لنعيشه بسلام. وهكذا، نبقى لأننا في وطنٍ إن رفعنا عاليًا لن يتركنا نسقط، وكل واحدٍ فينا يحمل في داخله ذلك الطفل الذي ما زال يضحك في الهواء ويحلق لأنه يعرف يقينًا أن هناك وطنًا يحميه، ولن يُفلت يده.

حمى الله الوطن الذي نُحسد عليه، وحفظ الله القيادة الرشيدة الحكيمة وأدام علينا نعمة الأمن والأمان والعزة والكرامة.

هذا المقال يحتوي على 483 كلمة ويستغرق 3 دقائق للقراءة



إقرأ المزيد