المعهد الملكي للأنثروبولوجيا.. في عمق الثقافة السعودية
إيلاف -

الثقافة هي ما يعيش في الناس، ما ينبض في عيونهم، ما يظهر في بيوتهم، ما يختزن في ذاكرتهم الجمعية، وما ينتقل بين أجيالهم كالنور يُورث من قنديل إلى قنديل.. وأجمل ما في الثقافة أنها لا

ناهد الأغا

الثقافة هي ما يعيش في الناس، ما ينبض في عيونهم، ما يظهر في بيوتهم، ما يختزن في ذاكرتهم الجمعية، وما ينتقل بين أجيالهم كالنور يُورث من قنديل إلى قنديل.. وأجمل ما في الثقافة أنها لا تموت؛ قد يرحل رواتها، وقد يندثر صُنَّاعها، لكنها تظل تبحث عن حامل جديد، وعن راوٍ جديد.. ونحن نتأمل الثقافة السعودية في عمقها، نرى ما يحدث حين تلتقي أصالة الجذور بإشراقة المستقبل في لحظة خلاقة، فتولد منها ومضات لا تخفت، نقرأها في مرايا الروح.

تتميز المملكة العربية السعودية بتنوع ثقافي واجتماعي كبير، يظهر في أنماط الحياة بين المدن والقرى والصحراء والجبال، واختلاف العادات والتقاليد بين المناطق والقبائل، وتعدد اللهجات وأساليب التعبير الشفهي، وثراء الإنتاج الأدبي والفنون الشعبية والعمارة التقليدية، إضافة إلى تنوع الفنون البصرية، وأطباق الطهي، والأزياء التي تعكس تراث كل منطقة، وتكتسب المملكة أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية، نظرًا لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون؛ فهي أرض الحضارات، ومهد الرسالة الإسلامية، ومهوى أفئدة المسلمين. هذا العمق يمنح الباحث مادة ثرية تمتد آلاف السنين من التاريخ الإنساني، ومن هذا المنطلق، يأتي قرار مجلس الوزراء بتأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، ليشكِّل علامة فارقة في مسار الاهتمام المؤسسي بالعلوم الإنسانية في المملكة العربية السعودية. وقد ثمَّن صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، وزير الثقافة، هذه الموافقة، رافعاً الشكر إلى القيادة الرشيدة على دعمها الدائم للقطاع الثقافي والمثقفين.. وفي كلمته، وصف سموه المعهد بأنه راوٍ موثوق لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان، وهو توصيف يعكس فلسفة عميقة لدوره؛ فالراوي الموثوق يعني توثيقاً علميًا دقيقًا، بمنهجية واضحة ومعايير أكاديمية رصينة، تضمن تقديم الثقافة السعودية بصدق وأمانة، أما كونه منارة إلهام، فيجعل منه مصدر إشعاع فكري يفتح آفاق البحث، ويسهم في تطوير الدراسات الأنثروبولوجية، ويقدم للعالم صورة علمية دقيقة عن الثقافة السعودية بعيداً عن الصور النمطية، وسيمضي المعهد ليكون نافذة علمية تُصغي لنبض المجتمع، وتقرأ تفاصيل الحياة وتحولاتها، وتوثِّق التراث المادي وغير المادي بوصفه حكاية إنسانية حيَّة تُصان للأجيال القادمة، وفي عمق هذه النهضة، تقف رؤية السعودية 2030 كنبض يسري في شرايين الأرض والإنسان؛ شراكة بين وطن يحتضن حلم مواطنيه، ومواطن يسند وطنه بإيمانه وعمله، وفي هذه الرؤية يمتد جسر من نور بين الأمس والغد، نحمل عليه تراثنا، نطوِّره ونبدعه، دون أن نفقد جذورنا أو نذوب في غيرنا. نقدم ثقافتنا بفخر، ونمد أيدينا للحضارات مصافحة، ونحن ثابتون في عمق هذا الوطن هم السعوديون وثقافة ذات بهجة.

بهجتها عميقة كطبقات الأرض، تبدأ من الإحساس بالانتماء، ومن إدراك أن ما نصنعه اليوم سيبقى أثره غدًا، إنها حكاية مستمرة، راويها الإنسان السعودي، بكل إبداعه وحبه للحياة،

وسيكون المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية الصندوق الأمين الذي يحفظ هذه الحكاية، لتبقى البهجة متجددة في كل زمان ومكان.

المجد لمن جعلوا من الثقافة بصمة أبدية في جبين الزمن.. لأولئك الذين رأوا في تراب هذا الوطن نبضاً يستحق الخلود، وفي حكايات أهله نوراً يضيء للقادمين.

هذا المقال يحتوي على 447 كلمة ويستغرق 3 دقائق للقراءة



إقرأ المزيد