زيتونة رأس بيروت: في وداع جرجي بشير
إيلاف -

أخي مكرم...

أخي مكرم... بهذه العبارة البسيطة كان جرجي بشير يبدأ كل رسالة أو اتصال. عبارة عادية في ظاهرها، لكنها بالنسبة لي لم تكن مجرد تحية، بل مدخل إلى علاقة أخوة حقيقية، علاقة بنيت عبر السنوات على المودة والذاكرة المشتركة وحب المكان. تعرفت إلى جرجي عام 2005، يومها كنت رئيساً لمجلس طلبة الجامعة الأميركية في بيروت، وأعمل بالتوازي على إعداد رسالة الماجستير حول الحركة الطلابية في الجامعة وتأثير المقاومة الفلسطينية على الحياة السياسية داخل الحرم الجامعي. كان ذلك البحث يتطلب العودة إلى شهادات من عايشوا تلك المرحلة من الطلاب الذين لم يكونوا مجرد شهود على الأحداث، بل كانوا جزءاً من صناعة النقاشات والاحتجاجات والكتابات التي طبعت تلك السنوات. في ذلك الوقت، نصحني أستاذاي ومعلماي الراحلان كمال صليبي وعبد الرحيم أبو حسين بأن أقابل جرجي بشير. قالا لي إن شهادته لا غنى عنها لفهم تلك المرحلة. فقد كان جرجي من بين الوجوه البارزة في القيادات الطلابية في الجامعة الأميركية، وكان أيضاً من كتّاب جريدة Outlook الطلابية، تلك المنصة التي شكلت في زمنها مساحة للنقاش الحر والجدل الفكري والسياسي بين طلاب الجامعة. لاحقاً، تابع جرجي مسيرته الصحافية في جريدة "النهار"، حيث حمل معه روح الطالب الذي لم يفقد فضوله ولا حسّه النقدي. لكن ما بدأ كمقابلة بحثية تحول بسرعة إلى شيء آخر. لم يكن اللقاء مجرد جلسة توثيق أكاديمي، بل بداية صداقة طويلة، وربما أكثر من صداقة: علاقة أخوية حقيقية. في تلك الفترة كان جرجي يخوض معركته الأولى مع مرض السرطان. ومع ذلك، لم يكن المرض هو أول ما يلفت انتباهك فيه. ما كان ذلك المزيج الغريب من اللطف والصلابة، من السخرية الهادئة ومن القدرة على الحديث عن لبنان وتاريخه كأنهما شأنان شخصيان للغاية. منذ ذلك اللقاء الأول، وجدت نفسي أعود إلى جرجي مراراً، أحياناً لأسأله عن تفاصيل تاريخية، وأحياناً فقط للحديث. ومع مرور الوقت، لم تعد علاقتنا محكومة بموضوع البحث أو الأكاديميا، بل صارت علاقة إنسانية عميقة. على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً، كنت واحداً من الذين حظوا بمحبة جرجي وعطفه. كان من ذلك النوع النادر من الناس الذين لا يبخلون على من حولهم بالنصيحة، ولا يتعاملون مع المعرفة كملكية خاصة، بل كشيء يجب مشاركته. كان سخياً في وقته واهتمامه بالآخرين، وكأن دعم من حوله جزء من طبيعته. تشاطرنا أشياء كثيرة، حب رأس بيروت، تلك الرقعة الصغيرة من المدينة التي تختصر تاريخاً كاملاً من الحياة الفكرية والسياسية والثقافية في لبنان. وحب الجامعة الأميركية، ليس فقط كمؤسسة تعليمية، بل كمكان صاغ أجيالاً من الطلاب وفتح أمامهم أبواب التفكير الحر. لكننا أيضاً تشاطرنا حباً آخر، ربما يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه كان بالنسبة إلى جرجي جزءاً من فلسفة الحياة: شجرة الزيتون. كان جرجي يعتني بزيتونه كما يعتني الأب الصالح بأبنائه، لم يكن الأمر مجرد زراعة أو هواية، بل علاقة حقيقية مع الأرض. كان يتحدث عن تلك الأشجار بحنان واضح، وكأنها جزء من سيرته الشخصية. ومع بداية كل خريف، كان يحرص على توزيع زيت الزيتون الذي ينتجه على أصدقائه وأحبائه، وكنت مثلهم كل عام محظوظاً بمحبته وزيت أشجاره. زيت الزيتون لم يكن مجرد هدية، هو رسالة، وامتداد لفكرة أن الأرض، مثل الصداقة، يجب أن تُشارك. جرجي بشير ابن الكورة والشمال، وهو أيضاً ابن رأس بيروت. مثل كثيرين من أبناء جيله، حمل معه ذاكرة قريته والمدينة التي عاشها في آن واحد. كان قادراً على الحديث عن الشمال بحنين عميق، وعن بيروت بشيء يشبه الوفاء. بعد عقود طويلة من الاغتراب في الإمارات، قرر جرجي العودة إلى لبنان. أكثر من خمسين عاماً قضاها بعيداً عن البلد، لكنه في النهاية عاد إليه، كما لو أن المسافة الطويلة لم تكن سوى استراحة مؤقتة. كثيرون من أبناء جيله اختاروا أن يبقوا في الخارج. كان بإمكان جرجي أن يفعل الشيء نفسه. لكن العودة بالنسبة إليه لم تكن قراراً عملياً فقط، بل كانت خياراً عاطفياً أيضاً. كان لبنان بالنسبة إليه أكثر من مكان للعيش، كان جزءاً من الهوية. لكن العودة لم تكن سهلة. فالبلد الذي عاد إليه لم يكن هو البلد الذي تركه قبل عقود. لبنان الذي أحبه جرجي كان مصاباً بمرض طويل. مرض سياسي واقتصادي وأخلاقي في آن واحد. ومع ذلك، لم يفقد جرجي قدرته على النظر إلى البلد بعين المحب، حتى عندما كان يدرك حجم الخيبات التي تراكمت فيه. في السنوات الأخيرة، كان جرجي يخوض معركتين في الوقت نفسه. معركة مع المرض الذي أصاب جسده، ومعركة مع ذلك المرض الآخر الذي أصاب البلد الذي أحبه. ومع ذلك، لم يفقد حسّه الفكاهي ولا قدرته على النظر إلى الأمور بواقعية هادئة. كان يعرف أن لبنان بلد قاسٍ على أبنائه، لكنه أيضاً بلد يصعب التخلي عنه. رحيل جرجي ليس مجرد خسارة شخصية بالنسبة إلي، إنه أيضاً خسارة لجزء من ذاكرة مكان. منطقة رأس بيروت نفسها تخسر برحيله. شارع المقدسي يخسر أحد وجوهه الهادئة. تلك الشوارع التي شهدت أحاديث طويلة عن الجامعة والتاريخ والسياسة تفقد اليوم صوتاً كان جزءاً من نسيجها. هناك أشخاص يشبهون الأشجار. وجودهم لا يلفت الانتباه دائماً، لكن غيابهم يترك فراغاً واضحاً. جرجي كان واحداً من هؤلاء. من عرف جرجي معرفة الأخ يخسر الكثير برحيله. ليس فقط لأننا فقدنا صديقاً أو رفيقاً، بل لأننا فقدنا أيضاً جزءاً من تلك الروح التي كانت ترى في المعرفة مشاركة، وفي الصداقة التزاماً، وفي الأرض امتداداً للحياة. ومن لا يعرف ما معنى أن تخسر رأس بيروت، وأن يخسر شارع المقدسي هذا الأخ العظيم، ربما لن يفهم تماماً حجم الفراغ الذي تركه. لكن هناك أشياء لا ترحل. تبقى الحكايات التي رواها. تبقى النصائح التي تركها. تبقى تلك العبارة التي كان يبدأ بها رسائله. “أخي مكرم…” وتبقى أيضاً شجرة الزيتون. تلك الشجرة المعمرة التي أحبها جرجي، والتي مثلها تماماً، تواصل الحياة حتى بعد غياب من زرعها. أخي جرجي.. وداعاً

هذا المقال يحتوي على 871 كلمة ويستغرق 5 دقائق للقراءة



إقرأ المزيد