سياسة الغرف الخلفية تشبه المصارعة الحرة.. حتى في الشرق الأوسط
إيلاف -

إيلاف من بغداد: عندما كنت شابًا، كنت أقول لوالدي إن السياسة تشبه إلى حد كبير المصارعة الحرة، إلا أن الفارق الأساسي هو أن الكثير من المصارعين كانوا في الواقع محبوبين.

السياسة والمصارعة كلتاهما تقومان على خطط مُحكمة الإعداد، لكنها تُعرض للجمهور وكأنها عفوية. كلتاهما تُسفك فيها الدماء، وكلتاهما قد تُلحق إصابات جسيمة بالخصوم. وكلتاهما تحظى بمتابعة جماهيرية شديدة الحماسة.

ما لم أكن أدركه آنذاك هو أن هذا التشابه لا يقتصر على السياسة الأمريكية، بل يبدو ظاهرة عالمية. حتى في الشرق الأوسط.

عندما كان فينس مكمان يبني اتحاد المصارعة العالمي في الشمال الشرقي للولايات المتحدة ليحوّله إلى قوة عالمية (المعروف اليوم باسم WWE)، ابتكر مباراة تُسمى “باتل رويال” (المعركة الملكية). وهي مواجهة فوضوية يدخل فيها إلى الحلبة عشرات المصارعين في آن واحد. ولكي يُقصى المصارع، يجب أن يُرمى خارج الحلبة، ويُعلَن فوز آخر من يبقى داخلها. في المراحل الأولى من المباراة، كان من الشائع أن يتحالف خصوم غير متوقعين معًا لإقصاء مصارع يرونه خطيرًا أو مزعجًا.

وهكذا هو الحال في السياسة العراقية — فالمعركة لاختيار رئيس الوزراء المقبل تحولت إلى “باتل رويال”.

العديد من أبرز الأسماء السياسية في العراق، بمن فيهم أربعة رجال على الأقل شغلوا منصب رئيس الوزراء منذ سقوط صدام حسين، يرغبون في أن تؤخذ أسماؤهم في الاعتبار. وهناك مسؤولون رفيعو المستوى آخرون أيضًا مطروحون على الساحة.

وخلف الكواليس، تبدو المقارنة مع المصارعة دقيقة للغاية.

أُجريت الانتخابات العراقية قبل 100 يوم، وكان حزب رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني هو الفائز الأكبر، لكنه حصل على 46 مقعدًا فقط من أصل 329 مقعدًا في البرلمان، أي بعيدًا عن تحقيق الأغلبية. وتتوزع المقاعد بين أحزاب متعددة، وفصائل دينية وعرقية متنوعة، واعتبارات جغرافية، ما يخلق فسيفساء معقدة من المصالح.

وكما هو الحال في معظم الأنظمة البرلمانية، يختار البرلمان رئيس الوزراء، لكن الأمر يتطلب موافقة أكثر من نصف أعضائه. وقد مضت 100 يوم دون حسم، ولا يوجد موعد نهائي، ما يجعل المسألة تراوح مكانها. وقد بدأ شهر رمضان، لذلك من غير المرجح اتخاذ قرار خلال الثلاثين يومًا المقبلة.

قاد السوداني فترة اتسمت بقدر ملحوظ من الاستقرار والنمو. فالعراق أصبح أكثر أمانًا وازدهارًا، وبحسب كثيرين، شهد تراجعًا كبيرًا في مستويات الفساد مقارنة بالماضي.

وكانت شعبيته الشخصية سببًا رئيسيًا في حصول حزبه على أكبر عدد من المقاعد في انتخابات نوفمبر. ويبدو أن الاعتراض الأساسي على تجديد ولايته لا يتعلق بشخصه تحديدًا، بل برغبة بعض الفصائل في عدم بقاء أي مسؤول في السلطة لفترة طويلة. لا يوجد ما يشير إلى أنه يسعى ليكون “ديكتاتورًا مدى الحياة”، لكن هناك هاجسًا عامًا يمكن تسميته “عقدة صدام حسين”.

أما سلفه، رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، فقد كان بعيدًا عن الأضواء في السنوات الأخيرة، لكنه يبدو أنه يحاول استغلال حالة الارتباك، داخليًا وإقليميًا، للعودة إلى السلطة.

الرجل الذي تراجع عندما تصاعد الضغط الشعبي، واختفى عن الأنظار مع تصاعد التساؤلات حول إرث حكومته، يعود فجأة إلى الواجهة مع تحرك المياه السياسية — وكأن الظهور والاختفاء أصبحا تكتيكًا مرتبطًا بتقلب المزاج السياسي أكثر من ارتباطهما بثبات الموقف أو وضوح الرؤية.

وتتزامن عودة الكاظمي مع الرفض العلني من الرئيس ترامب لإعادة ترشيح نوري المالكي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء بين عامي 2006 و2014. وأفادت وزارة الخارجية العراقية هذا الأسبوع بأنها تلقت رسالة شفهية من الولايات المتحدة تحذر من فرض عقوبات محتملة إذا أُعيد ترشيح المالكي. وسواء كان ذلك إيجابيًا أم سلبيًا، فقد أثرت تصريحات ترامب في عملية صنع القرار العراقية، ما يجعل اختيار المالكي أمرًا غير مرجح.

وعندما يُستبعد اسم ثقيل الوزن، يسارع الطامحون إلى تقديم أنفسهم بوصفهم بدائل “مقبولة دوليًا”، والكاظمي يفعل ذلك تحديدًا. لكن السؤال الملح هو: هل يكفي غياب منافس قوي لتحويل الذاكرة الجماعية إلى صفحة بيضاء؟ وهل يمكن لتغير المعادلات الدولية أن يمحو أعباء سنوات مثيرة للجدل؟

قد تكون ذاكرة الجمهور قصيرة في السياسة. لكن الكاظمي غادر منصبه تحت وطأة غضب شعبي. وعاد قبيل الانتخابات البرلمانية بنبرة نقدية حادة تجاه المشاريع والخطط التنفيذية، متجاهلًا أن العديد من الأزمات التي يتحدث عنها نشأت أو تفاقمت خلال ولايته. وقد عاد اسمه مجددًا ليتداول كمرشح توافقي محتمل بعد معارضة الولايات المتحدة لترشيح المالكي.

ويرافق الكاظمي إرث ثقيل. فملف ما يُعرف بـ”سرقة القرن” لم يعد مجرد قضية قضائية تُناقش في المحاكم، بل أصبح رمزًا لانهيار آليات الرقابة الحكومية وتغلغل شبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة. أما الثقة بالحكومة، التي كانت متدنية في أعقاب ولايته، فقد بدأت تتعافى تدريجيًا خلال سنوات حكم السوداني.

ولا تزال آثار تلك الفضيحة حاضرة في الذاكرة العامة، وأي محاولة لتجاوزها قد تعيد إشعالها. وارتباط شخصيات من دائرته المقربة بالقضية جعل من الصعب فصل اسمه عن تلك المرحلة، حتى في غياب إدانة قانونية مباشرة بحقه.

آخر ما يحتاجه العراق هو أن يفقد شعبه ثقته بحكومته مجددًا.

أما رئيس الوزراء الأسبق الرابع الذي يُذكر اسمه فهو حيدر العبادي، الذي شغل المنصب بين عامي 2014 و2018. وهو شخصية تحظى بالاحترام والتقدير، ويُنسب إليه الفضل في هزيمة تنظيم “داعش”.

غير أن نقطة ضعفه تكمن، بحسب اعترافه، في أنه كان بإمكانه بذل المزيد في الملف الاقتصادي. وفي وقت بدأت فيه بغداد تشهد بعض الازدهار، يتساءل البعض عما إذا كان الشخص الأنسب لقيادة المرحلة الاقتصادية المقبلة.

ومع استمرار “المعركة الملكية” السياسية، قد ينتهي الأمر بعدم اختيار أي من رؤساء الوزراء السابقين، واللجوء إلى مرشح توافقي. أما السوداني، فرغم خبرته وشعبيته، فقد أشار إلى استعداده لتقديم مصلحة البلاد على طموحاته الشخصية.

الجميع — باستثناء المالكي نفسه — يبدو أنه يدرك أن فرص ترشيحه ضعيفة بعد تصريحات ترامب. أما الكاظمي، فمن الصعب تخيل أن جمهورًا عراقيًا كان مستاءً منه ومن إدارته قبل ثلاث سنوات سيستقبله بحماس. وبالنسبة للعبادي، فلا يبدو أن هناك زخمًا واضحًا لعودته.

في مباريات “باتل رويال” أحيانًا يفوز شخص غير محبوب، لأن اثنين أو أكثر تحالفوا لإقصاء الأوفر حظًا. وفي كواليس بغداد، يبدو المشهد مشابهًا إلى حد بعيد. فقد تؤدي التحالفات الخلفية إلى إقصاء أفضل الخيارات، وترك الجمهور عالقًا مع شخصية سبق أن رفضها بوضوح.

شعب العراق يأمل — ويستحق — أفضل من ذلك
 



إقرأ المزيد