إيلاف - 2/19/2026 11:15:23 AM - GMT (+3 )
مع تصاعد الحشود العسكرية في مياه الشرق الأوسط، ودخول حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى مسرح العمليات لتنضم إلى «أبراهام لينكولن»، يتبلور مشهد إقليمي دقيق تحكمه حسابات الردع والدبلوماسية في آنٍ واحد. هذا الحشد البحري لا يُقرأ بوصفه تمهيداً حتمياً لمواجهة، بل أداة ضغط ضمن مقاربة أوسع تسعى واشنطن من خلالها إلى إعادة رسم حدود التفاوض مع طهران، خصوصاً فيما يتعلق ببرنامجها النووي ومنظومتها الصاروخية ودورها الإقليمي.
الإدارة الأميركية تُعلن بوضوح أن هدفها المفضل هو تسوية دبلوماسية تجنّب المنطقة حرباً واسعة، وتضمن استقرار الممرات البحرية وأسواق الطاقة. في خلفية هذا المشهد تقف معادلة دقيقة: ممارسة أقصى درجات الضغط من دون الانزلاق إلى صدام مباشر، وفتح باب التفاوض من دون إظهار تراجع. هذه المقاربة تستند إلى استراتيجية أمن قومي، تضع في أولوياتها منع نشوء أزمات طويلة الأمد، والحفاظ على التوازنات التي تضمن تدفق التجارة والطاقة عبر النقاط الحيوية في الخليج، لا سيما أن أي اضطراب، ولو كان محدوداً في تلك الممرات، ينعكس فوراً على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة.
في المقابل، تؤكد طهران أن أي هجوم عليها سيُقابل برد يستهدف القواعد الأميركية في المنطقة، وهو تصريح يعكس تمسكها بمعادلة الردع غير المتكافئ. فإيران، التي تُدرك الفارق الكبير في القدرات العسكرية التقليدية بينها وبين الولايات المتحدة، بنت خلال السنوات الماضية شبكة أدوات تعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات السيبرانية، بما يُتيح لها التأثير في ساحات متعددة إذا ما اندلع نزاع، وخلق تكلفة سياسية واقتصادية تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة لأي مواجهة محتملة.
الملف النووي يبقى في قلب المشهد. فبعد الضربات التي تعرّض لها البرنامج في صيف 2025، تراجع جزء من قدراته التقنية، غير أن مسألة إعادة البناء تبقى قائمة إذا لم تُحسم عبر اتفاق يضمن رقابة دولية فعالة. هنا يظهر التباين التقليدي في مقاربة هذا الملف: هل يُعالج النووي أولاً بوصفه أولوية قصوى، أم يُربط بسلة أوسع تشمل الصواريخ والنشاطات الإقليمية؟ الإدارة الحالية تميل إلى الجمع بين المسارات، معتبرة أن أي اتفاق جزئي قد يترك ثغرات استراتيجية ويؤجل المشكلة بدل أن يعالج جذورها.
أما البُعد الإقليمي فيرتبط بإعادة بناء شبكات الحلفاء المحليين بعد ما شهدته الساحة خلال العامين الأخيرين من تحولات كبيرة. فالقوة الإقليمية لأي دولة لا تقاس فقط بقدراتها المباشرة، بل بمدى امتدادها عبر شركاء قادرين على التأثير. في هذا السياق، يبدو أن طهران تسعى إلى ترميم ما تراجع، فيما تراقب واشنطن هذه التحركات باعتبارها جزءاً من الصورة الشاملة التي تريد تعديلها، ضمن رؤية تعدّ أن أي تسوية مستدامة يجب أن تشمل السلوك الإقليمي بقدر ما تشمل الملفات التقنية.
داخلياً، تواجه إيران تحديات اقتصادية واجتماعية واضحة. التضخم المرتفع، وتراجع العملة، والضغوط المعيشية كلها عناصر تؤثر في المزاج العام، وتفرض على القيادة موازنة دقيقة بين الأولويات الداخلية والضغوط الخارجية. ومع ذلك، يُظهر النظام قدرة مستمرة على الحفاظ على تماسك مؤسساته الأمنية والسياسية، مستنداً إلى شبكة معقدة من المصالح والبنى التنظيمية التي تمنحه استمرارية في مواجهة الأزمات.
في المقابل، تعتمد واشنطن على مروحة أدوات تشمل العقوبات الاقتصادية، والتحرك الدبلوماسي مع الشركاء الإقليميين، والحضور العسكري المكثف. الرسالة المُعلنة هي أن باب التفاوض مفتوح، لكن الوقت ليس بلا حدود. غير أن تحديد اللحظة التي تُستنفد فيها الدبلوماسية يبقى قراراً سياسياً يتأثر بعوامل عدة: ردود طهران، ومواقف الحلفاء، والتطورات الداخلية في البلدين.
إيران من جهتها تتبع نهجاً يقوم على كسب الوقت، وتخفيف حدة الضغوط. فهي تُعلن استعدادها للحوار، وتُبقي تصريحاتها إيجابية لكن غير تفصيلية، بما يترك مساحة للمناورة. كما تحرص على استمرار إنتاج النفط وتأمين التزاماتها التصديرية، إدراكاً منها أهمية سوق الطاقة في أي حسابات دولية. وفي الوقت ذاته، تلوّح بقدرتها على التأثير في مضيق هرمز إذا ما تعرضت لهجوم، مع إدراك الجميع أن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي ستكون له انعكاسات عالمية فورية.
المشهد، إذن، ليس مواجهة حتمية ولا سلاماً مضموناً، بل مساحة رمادية تتقاطع فيها الرسائل العسكرية مع الإشارات الدبلوماسية. كل طرف يسعى إلى تحسين شروطه من دون دفع الأمور إلى نقطة اللاعودة. الإدارة الأميركية تراهن على أن الضغط المركّز قد يدفع طهران إلى تقديم تنازلات تضمن تخفيف العقوبات، واستقراراً طويل الأمد. وطهران تراهن على قدرتها على الصمود والمناورة إلى أن تتضح معالم تسوية تحفظ مصالحها الأساسية.
في النهاية، تتحدد مآلات هذه المرحلة بميزان دقيق بين القوة والحوار. فالتاريخ الحديث يظهر أن الأزمات الكبرى كثيراً ما تُحل في اللحظة الأخيرة بعد أسابيع أو أشهر من الشد والجذب. وبين الحاملات البحرية الراسية في عرض البحر، والتصريحات السياسية المتبادلة، تبقى الحقيقة الأبرز أن المنطقة تعيش مرحلة اختبار عميق لقدرة الأطراف على إدارة خلافاتها ضمن حدود تمنع الانفجار، وتفتح الباب أمام تفاهم يُعيد رسم معادلة الاستقرار في الشرق الأوسط، في توازن حساس بين الردع والانفتاح السياسي.
إقرأ المزيد


