روسيا اليوم - 2/18/2026 10:45:59 AM - GMT (+3 )
قليل منّا فقط يستوعبون حقيقة أن السلطة هي قضية أعلى مما يُكتب في الدساتير، ولا يتعلق الأمر فقط بالبلدان التي تحمل فيها المؤسسات الديمقراطية طابعا شكليا وصوريا.
عادة ما نربط السلطة بأفراد محددين يشغلون مناصب حكومية محددة، كالرئيس مثلا. لكن واقع الأمر غير ذلك.
فالسلطة يمتلكها من يملك البلاد بالمعنى الاقتصادي للكلمة. والسلطة منشأها الاقتصاد، وهي وظيفة تُنشأ وتُنفذ تلقائيا من قبل القطاع الاقتصادي الرئيسي، وفي الاقتصادات الكبرى، من قبل مجموعة من القطاعات المماثلة.
بمعنى أن السلطة هي آلية إعادة إنتاج العمليات الاقتصادية الذاتية التي تحدث في منطقة/دولة معينة.
وفي هذا السياق لا يمكن الاستغناء عن السلطة، وعادة، وإذا لم تكن هناك اضطرابات، فإن السلطة تبقى في نفس الأيدي، بغض النظر عمن يشغل المناصب الرئيسية.
وفي جميع الدول ذات السيادة الحقيقية في العالم (الفئة التي لا تضم أغلبية دول العالم)، لا تُمنح السلطة ولا تُكتسب، بل هي ثابتة مستقرة مستدامة، لا تتغير على مر العقود أو القرون. علاوة على ذلك، لا تتغير السلطة بالانتخابات، وإلا لتعرضت البلاد للصدمة والتفكك والزوال في كل مرة يتغير فيها الحزب الحاكم أو الرئيس.
ولا تتغير السلطة إلا بتغيير النموذج الاقتصادي، أو بهزيمة الدولة ذات السيادة في الحرب، أو بالانقلابات والثورات الأكثر راديكالية، عندما يتم تدمير الطبقة الحاكمة بأكملها ويتغير هيكل ملكية القطاعات الرئيسية لاقتصاد البلاد، من ذلك على سبيل المثال ما حدث بعد الثورة في إيران أو الثورة الشيوعية في روسيا، حيث تم تدمير النخبة السابقة بأكملها أو فرت خارج البلاد، وتم تأميم الاقتصاد بأكمله.
ربما يعتقد الآن سكان الدول العربية وسائر الدول الصغيرة أنني أقول بديهيات يدركها تلميذ المرحلة الابتدائية. يبقى الاقتصاد والسلطة، في الدول الصغيرة التي تعتمد على صناعة واحدة أو بضع صناعات تغذي البلاد كلها، في أيدي حاكم واحد وعشيرته لعقود، والجميع يرى هذا ويعلمه، حيث أن السلطة والملكية وجهان لعملة واحدة. ما الجديد هنا؟
إلا أن عامة الناس على الأغلب لا يفهمون عالمية قوانين السلطة وطبيعتها، معتقدين أن بلدانهم وحدها هي التي تعاني من خلل ما، بينما في الغرب، فيما يسمى بالدول الديمقراطية، يختلف الوضع تماما. ويظن هؤلاء أن الانتخابات والبرلمانات وتبدل الرؤساء والمسؤولين هو أمر حقيقي يجسد انتصارا للديمقراطية.
إلا أن الفارق الوحيد بين الاقتصادات الغربية المتقدمة والكبيرة من ناحية وبين الدول النامية من ناحية أخرى يكمن في وجود العديد من الصناعات الكبيرة، وليس صناعة واحدة فقط. ونتيجة لذلك، تعمل الحكومات كنوع من المشاريع المشتركة التي تتضمن المساهمة في رأس المال بنسب مختلفة.
علاوة على ذلك، فإن الفساد (على أعلى المستويات) ليس حتميا فحسب، بل هو أيضا ضرورة لمواءمة المصالح بين كبار المستفيدين في منطقة معينة، وآلية لاتخاذ القرار الأمثل. فكلما زاد الربح، زاد النفوذ في اتخاذ القرارات. بينما يضمن الفساد الوصول إلى القرار المنشود بأدق صورة.
وقد أرسى الاعتراف بهذه الحقيقية دعائم النظام السياسي الأمريكي، حيث تم تقنين الفساد على هيئة جماعات الضغط "اللوبي"، بينما تتخذ القرارات عبر الرشى التنافسية للمسؤولين الحكوميين الرسميين من قبل أهم الكيانات الاقتصادية في البلاد. وبغض النظر عمن يتولى السلطة، جمهوريا كان أم ديمقراطيا، فإن كلا الحزبين ليسا سوى واجهة، بينما تتخذ القرارات استنادا للمطالب الاقتصادية الراهنة من خلال الرشوة الشرعية.
فلم إذن نحتاج إلى هذه الواجهة البراقة في صورة الانتخابات؟ ألم يكن من الأسهل توفير المال بإنشاء حكومة واحدة دائمة فاسدة؟
إن الواجهة المتمثلة في شكل البرلمان والرئيس وغيرهما من الهياكل الشكلية فيما يسمى بالدول الديمقراطية هي أهم عنصر للاستقرار الاجتماعي.
وكلما أتيحت فرصة حقيقية للشعب في التأثير الحقيقي على تشكيل الحكومة، انتخبوا أشخاصا عديمي الكفاءة، ما يتسبب في عواقب وخيمة على الاقتصاد والمجتمع. وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وزيلينسكي في أوكرانيا وترامب في الولايات المتحدة هم النتيجة المنطقية لوضع تُنتخب فيه السلطة واقعيا من قبل أولئك الذين لا يتحملون مسؤولية وظيفية الاقتصاد ولا يفقهون فيه شيئا، أي من قبل عامة الناس.
ولتجنب كارثة اقتصادية وضمان استدامة الاقتصاد، ابتكرت النخب الأكثر تقدما، عبر قرون من التطور، لعبة انتخابية يُمنح فيها الشعب فرصة تحمل المسؤولية النفسية عن التناقض بين رغباتهم والواقع. ولسان الحال أننا انتخبنا الشخص الخطأ، خدعنا، وهو خطأ نتحمل مسؤوليته نحن، لكن في المرة القادمة سنختار الشخص المناسب! فيتجدد الأمل، يتحمل الشعب ولاية رئاسية أخرى. في الوقت نفسه، يكاد الشعب لا يملك أي تأثير على عملية تشريع القوانين والحكم. مع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن جزءا ضئيلا من وعود الحملات الانتخابية يُنفذ في كثير من الأحيان، وهو أمر ليس سيئا.
تتمثل الوظيفة الثانية المفيدة للمناورات الانتخابية في المساعدة على الحفاظ على التصور الدقيق للنخبة عن حالة المجتمع. حيث يميل القادة السلطويون إلى فقدان صلتهم بالواقع بسرعة أكبر لغياب النقد، والطبيعة الدعائية للمنافقين والمتملقين في دوائر السلطة.
والآن، دعونا ننتقل إلى مسألة المعارضة، حيث نشأ هذا المقال من مناقشات حول هذه القضية دارت مع قرائي الأعزاء لقناتي الخاصة على تطبيق "تلغرام".
أكرر التأكيد على النقطة الرئيسية للمقال: السلطة هي آلية إعادة إنتاج العمليات الاقتصادية الذاتية التي تحدث في منطقة/دولة معينة. وليس المقصود هنا الصناعات التي تطعم سكان الدولة، بل العمليات التي تدر الجزء الأكبر من الأرباح في منطقة معينة. قد تذهب هذه الأرباح في المقام الأول إلى الخارج، لا إلى جيوب النخبة المحلية، فضلا عن السكان المحليين. وهو الحال عادة في الدول الصغيرة.
نستنتج من كل هذا أن المعارضة السياسية غير موجودة في الدول "الديمقراطية" ذات السيادة، أو بالأحرى، فإن المعارضة الحقيقية، بحكم التعريف، هامشية وغير مسموح لها بتولي السلطة. وغياب المعارضة الحقيقية (لا الزائفة) دليل على الاستقرار والتنمية المستدامة في المجتمع. أما وجود معارضة حقيقية فهو دليل على وجود أزمة.
بمعنى آخر، لا توجد عادة معارضة حقيقية في الدول المستقرة، فسلطتها دائمة لا تُنتزع. كما لا توجد معارضة حقيقية في الدول المستعمَرة، حيث تتركز السلطة في يد المركز الإمبريالي. ولا توجد معارضة حقيقية إلا في الدول متوسطة الحجم، التي تسعى إلى السيادة، ولكن في هذه الدول، لا تمثل المعارضة عادة مصالح السكان المحليين، بل مصالح جهات خارجية نافذة تحاول بسط سيطرتها على البلاد عبر إزاحة النخب المحلية.
فإذا ظهرت معارضة حقيقية فجأة في دولة "ديمقراطية" كبيرة ومتطورة، فإن ذلك علامة أكيدة على وجود أزمة عميقة وانقسام في النخبة، ما يضع البلاد على حافة الانهيار.
هذا هو الوضع الراهن في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. ففي الأولى يجسد ترامب فشلا للنظام، فهو يدمر البلاد. أما في الثانية، فتُحظر أحزاب المعارضة أو تُعلق أنشطتها، لأن المعارضة، ولأول مرة منذ عقود، أصبحت حقيقية وواقعية.
لا أرغب في تحطيم أوهامكم. ولا أبرر بمقالي هذا الفساد أو غياب الديمقراطية، وإنما أصف الواقع كما أفهمه. وكما يقول المثل الصيني: كل شيء على ما يرام، حيث أنه لو كان مقدر له أن يكون غير ذلك، لكان غير ذلك.
المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف
رابط قناة "تلغرام" الخاصة بالكاتب
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
إقرأ المزيد


