عالم ما بعد «ميونيخ»
إيلاف -

سألت صديقاً قديماً مهتماً بالشأن السياسي: هل تابعت مؤتمر ميونيخ للأمن في دورته الثانية والستين 2026؟ وهل استمعت إلى خطابات إيمانويل ماكرون، وفريدريش ميرتس، وكير ستارمر؟ وهل توقفت عند كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو؟

صمت قليلاً، كان من أولئك الذين آمنوا طويلاً بنظام القواعد، وبقدرة القانون الدولي، والمؤسسات المتعددة الأطراف على ضبط الفوضى. بدا كأنه يبحث عن صيغة لا تسقط معها قناعاته، ولا تتنكر لما سمعه في ميونيخ.

وقال أخيراً: ما يجري في ميونيخ ليس مؤتمراً عادياً، هو لحظة انتقال مفاجئ، من عالم قديم إلى آخر جديد من دون تمهيد. نتذكر دورات سابقة، كان المؤتمر يناقش فيها روسيا، والصين، والإرهاب، والطاقة، أو الاقتصاد، كملفات منفصلة، تناقَش ضمن إطار مستقر نسبياً، أما هذه المرة، فالسؤال كان أعمق: ما موقع الغرب في عالم يتجه بوضوح نحو تعددية قطبية تنافسية؟

أبرز ما تكشفه الدورة الثانية والستون هو تآكل اليقين الذي ساد مرحلة ما بعد الحرب الباردة. لم يعد افتراض أن القيادة الغربية قادرة على ضبط التوازنات الدولية قائماً، فأوروبا التي اعتادت العمل تحت مظلة أمنية أميركية شبه مطلقة، وجدت نفسها أمام سؤال القدرة الذاتية: كيف تحمي نفسها في عالم تتراجع فيه الضمانات غير المشروطة؟

هنا استشهد الصديق بكلمات المستشار الألماني فريدريش ميرتس الذي قال بوضوح، إن: «النظام العالمي الذي اعتدناه قد انتهى»، وإن العالم دخل «عصر التنافس بين القوى الكبرى»، داعياً أوروبا إلى «بناء قدرتها الذاتية، وعدم الاتكال على الآخرين في أمنها». لم تكن عبارات ميرتس انفعالية، ولكنها كانت تشخيصاً سياسياً لمرحلة جديدة.

كنت أريد أن أستعيد موقف الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول من أوروبا المستقلة، ولكنه كان يقرأ أفكاري، فقال من دون أن أسأله: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سار في الاتجاه نفسه حين أكد أن «أوروبا يجب أن تصبح قوة قادرة على الدفاع عن نفسها»، وأن السيادة الأوروبية لم تعد شعاراً، ولكنها باتت شرطاً للبقاء في بيئة دولية مضطربة، حتى بريطانيا، الحليف الأوروبي الأول لواشنطن، ذهبت بعيداً؛ إذ حذَّر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من أن «أوروبا لا يمكن أن تبقى عملاقاً اقتصادياً وقزماً أمنياً»، في إشارة واضحة إلى ضرورة مواءمة الوزن الاقتصادي مع القدرة الدفاعية.

وهذه التصريحات -وفقاً للصديق- لم تكن عبارات إنشائية، ولكنها كانت إشارات إلى تحول ذهني عميق داخل النخب الأوروبية: انتقال من الاطمئنان إلى المظلة الأطلسية إلى التفكير الجاد في الردع الذاتي، ومن افتراض الاستقرار إلى إدارة عدم اليقين.

قلت له: بالفعل، نحن إزاء لحظة مفارقة، وعلينا أن نقرأها بعناية نحن العرب، ويمكن القول إنه في هذا السياق يبرز مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي» بوصفه خياراً اضطرارياً، فالحرب في أوكرانيا باتت اختباراً لقدرة أوروبا على الصمود عسكرياً واقتصادياً، وبالتالي، فإن ضرورة إعادة التسلح، وتسريع الإنتاج الدفاعي، ودعم الصناعات العسكرية، وتأمين سلاسل الإمداد، مسألة ضرورية تحولت إلى توجهات استراتيجية ستلازم القارة لسنوات.

قال صديقي: لا بد من أن نرنو بالبصر إلى الضفة الأخرى من الأطلسي، فالصورة لا تكتمل من دون قراءة الرسائل الأميركية. فقد حمل خطاب ماركو روبيو، وزير خارجية الولايات المتحدة، نبرة عملية واضحة، حين شدد على أن «الشراكات القوية تقوم على تقاسم الأعباء»، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستظل ملتزمة أمنَ حلفائها، ولكن «على الحلفاء أن يتحملوا نصيبهم العادل من المسؤولية».

مضيفاً: وهنا وصل روبيو إلى لب الحالة العالمية، حين قال إن السياسة الخارجية الأميركية ستنطلق أولاً من «المصلحة الوطنية»، في إشارة إلى إعادة تعريف دور القيادة الأميركية: من قيادة توسعية ذات نزعة كونية إلى قيادة مشروطة بالقدرة الداخلية والحسابات السياسية المحلية.

استدرك الصديق قائلاً: النتيجة لن تكون انهيار العلاقة الأطلسية على الفور، ولكنها لن تكون علاقة تلقائية، كما جرى العرف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وسنكون أمام تحالف مستمر، ولكن بشروط جديدة وتوازنات أكثر تعقيداً.

انتهى كلام الصديق، فقلت له: الأهم أن «ميونيخ» أعاد تعريف مفهوم الأمن، فلم يعد مرادفاً للقوات العسكرية وحدها، إنما بات يشمل الطاقة، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، وأمن البيانات، ويبدو أن القوة الآن تقاس بالقدرة على الابتكار، والسيطرة على الموارد الحيوية، وحماية البنية التحتية الرقمية، بقدر ما تقاس بعدد الطائرات والدبابات. وهذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن أدوات النفوذ تغيرت، وأن الاقتصاد والتكنولوجيا أصبحا امتداداً مباشراً للأمن القومي؛ بل في بعض الحالات سيكونان شرطاً له.

الاستنتاج الأعمق أن العالم يتجه نحو حالة من «الاستقرار غير المستقر»: لا انهيار شاملاً ومفاجئاً للنظام الدولي، ولا عودة إلى نظام أحادي القطب، إنما تنافس منظم بين قوى كبرى تسعى إلى إعادة توزيع النفوذ من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. إنها مرحلة انتقالية طويلة، تتسم بمرونة التحالفات، وارتفاع تكلفة الردع، وازدياد مركزية القوة الاقتصادية والتكنولوجية.

«ميونيخ» لم يقدم حلولاً جاهزة، ولكنه يقدم اعترافاً صريحاً بأن النظام الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يعد قابلاً للاستمرار بصيغته السابقة. إذن، العالم يتغير، والغرب يحاول إعادة التمركز، ليس من موقع الهيمنة المطلقة، كما جرى عبر قرون، ولكن من موقع المنافس في ساحة مزدحمة بالقوى الصاعدة.

ختم صديقي حديثه قائلاً: المشكلة لا تكمن في تراجع النظام القديم، إنَّما في النظام الجديد الذي لم يتبلور بعد، وربما كانت هذه هي الرسالة الأعمق لمؤتمر ميونيخ: نحن لا نعيش نهاية عالم، إنما مخاض عالم آخر، فنحن نعيش زمن التحول، لا زمن اليقين.

أقول ختاماً إنَّها رسالة إلينا نحن العرب، فلنفكر في اليوم التالي لـ«ميونيخ الأخير».



إقرأ المزيد