غامبيا... مأزق الدكتاتورية
إيلاف -

ليست غامبيا مجرد شريط ترابي طويل يتغلغل في خاصرة السنغال، بحدودٍ يُقال إن المستعمر البريطاني رسم عرضها بمدى قذيفة مدفع؛ بل هي في جوهرها تجربة أفريقية كثيفة الدلالة، تختصر صراع الدولة الحديثة مع الجغرافيا القاسية، وتكشف عن كيف يمكن لشعب قليل العدد، محدود الموارد، أن يهزم الاستبداد حين تتوافر الإرادة واللحظة التاريخية المناسبة.

هذا البلد الصغير، الذي لا يتجاوز عدد سكانه مليوني نسمة، عاش طويلاً على إيقاع الممكن المحدود: شواطئ جميلة، وإمكانات زراعية متواضعة، وموارد غابِيَّة قابلة للاستغلال، واقتصاد يعتمد أساساً على السياحة والخدمات. غير أن محدودية الموارد لم تكن يوماً العائق الحقيقي أمام التنمية، بل طبيعة الحكم، حين تتحول السلطة من أداة لتنظيم المجتمع إلى غاية في ذاتها.

في البدايات، قاد داوودا جاوارا غامبيا بعقل رجل دولة، لا بعقل زعيم مهووس بالسلطة. كان نتاج المدرسة البريطانية، لكنه حمل فهماً عميقاً لخصوصيات مجتمعه، وسعى، مثل كثير من الآباء المؤسسين في أفريقيا، إلى بناء دولة هادئة تقوم على المؤسسات والتدرج، لا على القطيعة والانقلابات. عَمِل بإمكانات محدودة، وراكم تجربة سياسية نادرة في محيط إقليمي كانت الانقلابات العسكرية فيه هي القاعدة لا الاستثناء.

غير أن هذا المسار لم يُكتب له الاستمرار. انقلابٌ عسكري قاده ضباط صغار أطاح الرجلَ والتجربةَ معاً. وكما يحدث غالباً في تجارب شبيهة، فسرعان ما دبّ الخلاف بينهم، لينتهي الأمر بسيطرة رجل واحد على الحكم لأكثر من عقدين، وهذا الرجل هو يحيى جامع.

لم يكن حكم يحيى جامع مجرد ديكتاتورية سياسية تقليدية، بل حالة مركّبة من الشخصنة والخرافة. رئيس يعلن امتلاكه قدرات خارقة على شفاء الأمراض المستعصية، ويقدّم وصفات غامضة، ويؤمن بأن مِسبحته الطويلة وعصاه المسننة تحميانه من أي انقلاب أو سقوط. في عهده، تحولت الدولةُ مسرحاً عبثياً، وتراجَع الاقتصاد، وتآكلت المؤسسات، ودخلت البلاد عزلة سياسية، بينما ظل الخوف هو اللغة السائدة بين السلطة والمجتمع.

المفارقة أن نهاية هذا النموذج لم تأتِ عبر انقلاب عسكري جديد، بل عبر صندوق الاقتراع. خسر يحيى جامع انتخابات كان مقتنعاً، إلى آخر لحظة، بأنه فائز فيها حتى ولو لم يصوّت له أحد. الهزيمة لم تكن سياسية فقط، بل كانت انهياراً لفكرة الحاكم الذي لا يُهزم.

الرجل الذي هزمه لم يكن جنرالاً ولا زعيم قبيلة، بل كان مدنياً متعلماً، هادئاً؛ خريج الجامعات البريطانية: آدم بارو. انتقال السلطة شكّل لحظة نادرة في تاريخ غرب أفريقيا، وأثبت أن الديمقراطية، حتى في الدول الصغيرة والهشة، يمكن أن تنتصر حين تتوافر الشروط الداخلية والدعم الإقليمي.

في هذه اللحظة بالذات، لعبت السنغال دوراً حاسماً؛ فالديمقراطية الراسخة في السنغال، والحزم السياسي الذي مثّله آنذاك الرئيس ماكي صال، أفشلا محاولات يحيى جامع الالتفاف على نتائج الانتخابات. التدخل الإقليمي السريع أغلق الباب أمام الفوضى، وفتح طريق المنفى أمام الحاكم السابق، بدل إعادة إنتاج الاستبداد.

اليوم، تحاول غامبيا الخروج من المأزق الذي خلّفته سنوات الديكتاتورية وسوء التدبير. لا أحد يدّعي أن البلاد تحولت إلى نموذج مثالي، لكن المؤشرات الإيجابية واضحة. خلال سنوات قليلة، ارتفع النفاذ إلى الكهرباء ليبلغ نحو 90 في المائة بعد أن كان لا يتجاوز 30 في المائة، وشبكة طرق معبّدة باتت تربط أجزاء البلاد على امتداد هذا الشريط الضيق؛ مما سهّل حركة الناس والبضائع، وكسر عزلة مناطق كانت مهمّشة.

الأهم من الأرقام هو تغير الخطاب السياسي. لم يعد الحديث عن «الزعيم المعجزة»، بل عن «الدولة الممكنة». الرئيس آدم بارو يتحدث عن تنويع الاقتصاد، وعن جعل الصناعة رافداً إضافياً إلى جانب السياحة والزراعة؛ بهدف تغيير بنية اقتصاد هشّ ورث أعباء ثقيلة. حين يقول: «نحن شعب قليل العدد، لكن أحلامنا كبيرة»، فهو لا يطلق شعاراً إنشائياً، بل يعبّر عن وعي جديد تشكّل بعد تجربة قاسية مع الاستبداد.

غامبيا تذكّرنا اليوم بحقيقة غالباً ما تُهمَل في أفريقيا: المشكلة ليست صِغر الدول أو فقرها ومحدودية مواردها، بل في طبيعة الحكم وفاعليته؛ لأنه حين تُمنح الشعوب فرصة حقيقية لتدبير أوضاعها، فإن أضيق شريط من الأرض يمكن أن يتحول أفقاً واسعاً للتغيير.



إقرأ المزيد