تناقضٌ صارخٌ لأنيس فريحة نسفَ نقدَه لأحمد كمال
إيلاف -

اختار أنيس فريحة قولين من كُتيب «أسس النهوض القومي العربي» لأحمد كمال للاستشهاد بهما على ما يعانيه الفكر العربي المعاصر من مشكلة مع النهوض والتجديد.

القول الأول هو: «والعقلية المتحدة العامة التي انتهى إليها العرب في نهضتهم الأولى هي التي نعمل لها لنكون في نهضتهم الكبرى الآتية، وهي التي على مثل عليا في الحياة، فوهبت العرب الروح بدل المادة، والنظام بدل الفوضى، والمساواة التامة بين جميع العناصر والطبقات، حتى إنه سادتهم حياة اجتماعية عمرانية إنشائية راقية تحددت فيها أعمال كل طبقة من طبقات الأمة. وتمكنت منها العقيدة فأخلصوا لها، وغمرهم الإيمان بمثالية الحياة فكان شعورهم بالواجب والتضحية للمبدأ ونشاطهم العلمي الذي لم يترك ناحيةً من نواحي الإنسانية إلا وتناولها».

القول الثاني هو: «الحضارة الغربية الماثلة للزوال بسبب ما يسود الغرب من التبلبل الفكري، وتشمله الفوضى الاجتماعية».

قبل أن أورد تعليق أنيس فريحة على هذين القولين لأحمد كمال، أود إبداء ملحوظات عليهما.

الملحوظة الأولى: النهضوي القومي العربي أحمد كمال يتحدث عن أنهم يعملون على صنع نهضة عربية أخرى تعيد مجد النهضة العربية الأولى، والنهضة العربية الأولى يقصد بها الحضارة العربية الإسلامية التي كانت من ضمن كبرى الحضارات في تاريخ العالم.

إنه يتحدث عن صنع نهضة عربية أخرى وعصر النهضة العربية - كما حُددت بدايته عند أبرز مؤرخيه فيما بعد – كان قد بدأ أثر الحملة العسكرية الفرنسية على مصر (1798-1801)!

الملحوظة الثانية: العبارات التي قالها أحمد كمال حول كمال الحضارة العربية الإسلامية ومثاليتها وقصور الحضارة الغربية ونقصها مشابهة لما سيقوله الإسلاميون عن الثقافة الإسلامية في إطار مقارنتها بالثقافة الغربية بعد سنوات لاحقة.

الملحوظة الثالثة: كلمة «العقيدة» في جملة: «وتمكنت العقيدة منهم فأخلصوا لها» كلمة - إلى حد ما - مبهمة، فأي عقيدة يعني، هل هي عقيدة قومية أم عقيدة دينية؟

لاصطباغ نهضة العرب الأولى بصبغة دينية إسلامية، فإنه - بعلمانية مجاملة لرفاقه النهضويين من المسيحيين العرب - تحاشى تحديد نوع هذه العقيدة.

الملحوظة الرابعة: هل توحي عبارة أحمد كمال «الحضارة الغربية الماثلة للزوال» باطلاعه على كتاب تشاؤمي فلسفي تاريخي هو كتاب «أفول الغرب» لأوسفالد شبنجلر؟

إن تعليل أحمد كمال لزوال الحضارة الغربية بالتبلبل الفكري والفوضى الاجتماعية لا يوحي بذلك.

يقول أنيس فريحة تعليقاً على هذين القولين: «يتوقد هذا الشاب حماسة. ولا شك عندي بخلوص نيته، ولكنني أستشهد بأقواله لأنه صدف أن كان الكتاب بين يدي، وشعرت أن فكرة الشاب التاريخية خاطئة بمعنى أن الأخطاء والنقائص لا تُذكر. ولكن ألا نتعلم من ذكر الأخطاء وتبيان النقائص.

هكذا علّمنا الشباب التاريخ، وهذه نظرتهم إلى الغرب - الغرب الماثل للزوال! وما دمنا، أو قل ما دام سواد العرب، يعتقدون أن النظام العربي خلق أفضل مجتمع مثالي، وأن مدنية الغرب مدنية مادية سائرة إلى الانقراض، وتقف عند هذا الحد، لن نتقدم ولن نتحرر. وسواء أردنا أم أبينا نحن في ركاب الغرب - بيتنا، مدرستنا، نادينا، متجرنا، مصنعنا، مزرعتنا، وأهم من كل ذلك كله ميولنا. وما دمنا في أثر الغرب يحسن بنا أن نفهم الغرب فهماً صحيحاً. ولكي نفهم الغرب علينا أن نتحرر من طغيان الماضي!».

أنيس فريحة يقول: «هكذا علّمنا الشباب التاريخ، وهذه نظرتهم إلى الغرب - الغرب الماثل للزوال!». أحمد كمال درس الطب في الجامعة الأميركية ببيروت وقبيل تخرجه في هذا الجامعة عام 1938 أصدر كتابه «أسس النهوض القومي العربي». فهل تعلّم الجامعة الأميركية ببيروت أن الحضارة الغربية في طريقها إلى الزوال، أم أنه تعلّم هذه النظرة إلى الغرب من جمعية طلابية في هذه الجامعة، هي جمعية «العروة الوثقى» ذات التوجه القومي العربي في الجامعة الأميركية؟!

الجامعة الأميركية من المؤكد أنها لا تعلّم شيئاً من هذا. فهل في جمعية «العروة الوثقى» من الأساتذة من ردد القول في أنشطتها الثقافية بأن الغرب إلى زوال، كقول إنشائي أو عن اطلاع على فلسفة التشاؤم الأوروبية؟

لا أدري ما تكون الإجابة لكن من الواضح لي أن أنيس لم يكن على علم بهذه الفلسفة، فلو كان على علم بها لأشار إلى الأصل الأوروبي للقول بـ«أن مدنية الغرب سائرة إلى الانقراض» ولما نسبه إلى العرب المعاصرين، وتعامل معه بوصفه مقولة عربية صميمة، قال بها العرب المعاصرون أمام تحديات الثقافة الغربية.

في الاتجاه القومي العربي هناك من نظرته إلى الماضي العربي قبل الإسلام وفي أثناء ظهور دعوته وبعدها نظرة رومانسية غير علمية، فيعتقد أن الأخلاق العربية خلقت أفضل مجتمع مثالي لكن القول بـ«أن مدنية الغرب مدنية مادية سائرة إلى الانقراض» هو - تحديداً - قول سائد عند الاتجاه الإسلامي في العالم العربي وفي العالم الإسلامي. ورواد القول به في هذا الاتجاه عمّوا على مصدره الأوروبي!

فهل يخلط أنيس فريحة بعمد بين هذين الاتجاهين أو يخلط بينهما من غير عمد؟!

إن عصر النهضة العربية الذي كان من بين اتجاهاته الاتجاه القومي العربي في بلاد الشام، كان يستهدي - مع فخره بتراثه القومي العربي - بعصرين معاً في تاريخ الفكر الأوروبي، هما عصر الإحياء أو النهضة وعصر التنوير، فكيف يستهدي بهما، مع اعتقاده الحتمي بأن الحضارة الغربية آيلة إلى زوال قريب؟!

سرد أنيس فريحة في سيرته الذاتية «قبل أن أنسى» قصة اعتقد أن القارئ لن يصدقها، فأقسم اليمين أن كل حرف منها صحيح!

القصة - كما حدثنا - حدثت حين دعاه مدير معهد الدراسات الشرقية بجامعة کالیفورنیا، غرين بوم (هكذا كتب اسمه والمقصود هو المستشرق الشهير جوستاف فون غرونباوم الذي أسس مركز دراسات الشرق الأدنى عام 1957، وظل مديراً له إلى وفاته عام 1972) لإلقاء محاضرات عن الحضارة السامية لعام دراسي واحد في هذا المعهد أو المركز.

ملخص القصة أن طالبة لديه اسمها هاريت باركلي أعلمته ذات يوم بأن صديقة لها تحب أن تتعرف به، لأن أباها كان قد علّم في الجامعة الأميركية في دائرة الفيزياء. اجتمع بهما في شقته. فسأل صديقة تلميذته - واسمها باربرا - أين أبوها الآن؟ فأخبرته بأنها تظن أنه في المكسيك، ولا تعرف ماذا يعمل الآن. أمها معلمة وتظن أنها تعلّم في جنوب كاليفورنيا. أبوها طلّق أمها. ولها أخ متشرد في نفس مدينتها لوس أنجليس لكنها تراه قليلاً. ربتها عمتها. وعندما بلغت الرابعة عشرة هربت، لأنها كانت قاسية صارمة. وأصبحت بوهيمية متنقلة من عمل إلى عمل: في المطعم، في المكتبة، في المخزن، وحيثما تجد عملاً يدر عليها نفقات النهار. وقد عززت سلوكها الطريق البوهيمي في الحياة، بقول السيد المسيح: لا تهتموا بالغد!

سأل تلميذته هاريت عن عائلتها. فأخبرته بأن أباها الآن في طوكيو. كان ضابطاً في البحرية، وبعد الحرب آثر البقاء في اليابان، وتزوج يابانية. وقد طلّق أمها، وهي تعمل في بنك تظنه في سان فرانسيسكو. قلّ أن تراها. ولها أخ لا تعلم الكثير عنه، مع أنه يعمل في لوس أنجليس، سألها: إن كانت رأت أباها بعد زواجه الثاني. فأخبرته بأنه بعث لها بدراهم لتوافيه إلى شيكاغو. وذهبت إلى شيكاغو، وتعرفت إلى الزوجة اليابانية، وبعدها لم تره مرة ثانية.

علق أنيس فريحة على هذه القصة بحسرة، فقال: «قلت في نفسي: لقد بدأ السوس ينخر في الحضارة الأميركية! زوال الحضارة يبدأ بتفكك العائلة فالمجتمع. وأظن أن الحالة العائلية والاجتماعية الآن أسوأ مما كانت عليه في عهد باربرا وهاريت».

يعيب سيرة أنيس فريحة الذاتية الأولى «إسمع يا رضا!» الصادرة في طبعتها الأولى عام 1956، وسيرته الذاتية الثانية «قبل أن أنسى» التي لخصنا منها قصته مع الفتاتين، أنه روی وقائع سيرته من دون ذكر أعوامها. ومن هذه الوقائع عام تدريسه في جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس. ومع غياب التحديد السنوي لوقائع سيرته فإنني - على الأقل - بإمكاني تحديد العقد الزمني استناداً إلى أمرين، هما:

- هو أنه انتبه إلى أن باربرا كانت حافية القدمين، ورأى أنها عادة متفشية في ولاية كاليفورنيا!

وللتدقيق هذه عادة هبيّة شاعت مع انتشار حركة الهيبز في أميركا. ولاية كاليفورنيا كانت مصدر حركة الهيبز، خصوصاً في سان فرانسسيكو وفي جامعة كاليفورنيا - بيركلي. هذه الحركة نشأت في الستينات الميلادية ولم تنشأ في عقد قبله. واستمرت هذه الحركة في الانتشار في عقد السبعينات الميلادية.

- صدرت سيرته الذاتية (قبل أن أنسى) عام 1979، وقد ختم قصته مع الفتاتين بجملة: «... أسوأ مما كانت عليه في عهد باربرا وهاريت» مما يعني أنه في هذه الجملة يشير إلى عقد منصرم سبق عقد الستينات الميلادية.

التناقض الصارخ الذي وقع أنيس فريحة به هو أنه في عبرته التي استخلصها من وضع باربرا وهاريت العائلي المفكك، وهي أن الحضارة الغربية في طريقها إلى الزوال، هو ما عاب على أحمد كمال قوله في عام 1938! وللحديث بقية.



إقرأ المزيد