ترامب والتخلّص من الاتحاد الأوروبي...
إيلاف -

خيرالله خيرالله

يخيف دونالد ترامب، الحلفاء أكثر بكثير مما يخيف الأعداء. يؤكّد ذلك الموقف الذي يتخذه الرئيس الأميركي من أوروبا، خصوصاً في ما يخصّ موضوعين مهمين هما الحرب الأوكرانية وغرينلاند، الأرض التابعة للدنمارك الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو).

لم تعد أوروبا الغربيّة التي شاركت في الانتصار على الاتحاد السوفياتي وقبل ذلك على النازية همّاً أميركياً. يبدو ترامب وكأنّه يريد التخلّص من الاتحاد الأوروبي من جهة وتشجيع أحزاب أقصى اليمين على الوصول إلى الحكم في دول أوروبيّة عدة. لا يبالي بمدى عمق العلاقة بين روسيا وفلاديمير بوتين... بأحزاب أقصى اليمين الأوروبي وبما تشكله هذه الأحزاب من أخطار على المجتمعات الأوروبيّة.

في الواقع، ليس أصعب من تعاطي الحلفاء مع إدارة دونالد ترامب. باتت أوروبا، الحليف الأهمّ للولايات المتحدة في حيرة من أمرها، بل بات مطروحاً مصير المشروع الأوروبي بكامله، وهو مشروع يعبّر عنه قيام الاتحاد الأوروبي. صار مصير المشروع الأوروبي مطروحاً في ضوء الموقف الذي اتخذته الإدارة الأميركية الحالية، التي عمرها سنة، من الحرب الأوكرانيّة من جهة ومن المطالبة بضم غرينلاند، وهي أرض دنماركيّة، من جهة أخرى.

من كان يتخيّل ذهاب بعثة عسكريّة أوروبيّة إلى غرينلاند بناء على طلب دنماركي للبحث في كيفية مواجهة الرغبة الأميركية في وضع اليد على تلك الأرض؟

في وقت، أصرّت فيه إدارة ترامب على ضمّ غرينلاند، بالحسنى أو بالقوة، يستمر الضغط العسكري الروسي على أوكرانيا مع قرب مرور أربع سنوات كاملة على بدء الحرب عليها تحت ذريعة رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، علما أن فكرة انضمام روسيا نفسها إلى الحلف طرحت في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في الأيام الأخيرة من العام 1991.

المستغرب، أنّه لا وجود لإدراك أميركي لخطورة الحرب الأوكرانيّة ومدى تهديدها للأمن الأوروبي. يبدو واضحاً أن ترامب تخلّص من كلّ الإرث المرتبط بالعلاقة الخاصة بين القارة العجوز وأميركا، وهي علاقة تاريخية تأسس عليها النظام العالمي. تعززت العلاقة في ضوء الدور الأميركي خلال الحرب العالميّة الثانيّة وتطورت في أثناء الحرب الباردة. كانت حرباً انتهت بانتصار المعسكر الغربي. يرمز إلى هذا الانتصار سقوط جدار برلين خريف العام 1989. مهّد ذلك لإعادة توحيد المانيا وتحرّر دول أوروبا الشرقية من الهيمنة السوفياتية.

ترى أوروبا، في معظمها طبعاً، في إدارة ترامب عدواً لها... لا لشيء، سوى بسبب إصرار الإدارة على رفض وضع حدّ لوقف الحرب، في حين تؤيّد الإدارة التوصّل إلى وقف للحرب الأوكرانية في إطار تسوية تسيطر بموجبها روسيا على جزء من الأراضي التي احتلتها . أكثر من ذلك، مطلوب من أوكرانيا الاعتراف بأن شبه جزيرة القرم التي استولت عليها موسكو في 2014 جزء لا يتجزّأ من الاتحاد الروسي.

تريد إدارة ترامب مكافأة فلاديمير بوتين لشنّه حرباً على أوكرانيا التي كانت تتطلع إلى أن تكون عضواً في الـ«ناتو» والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. يعتبر مثل هذا التصرّف تغييراً في كلّ المفاهيم الدولية السائدة منذ نهاية الحرب العالميّة في العام 1945. سيتوجب على أوروبا من الآن فصاعداً التعاطي مع أميركا مختلفة لا تهمّها القيم التي آمن بها الغرب، وهي القيم التي سمحت له بالانتصار على المشروع النازي في أوروبا؟

من الواضح أنّ دونالد ترامب، عبر مهادنته بوتين، يسعى إلى تبرير وضع يده على غرينلاند متجاهلاً أنّ في استطاعته التوصل إلى صيغة مقبولة، ذات طابع حضاري، للتعاون مع الدنمارك في شأن مستقبل غرينلاند من دون إثارة كلّ تلك البلبلة في أوروبا.

يتعلّق الأمر بإدارة أميركيّة قررت الانقلاب على كلّ قواعد العلاقة التاريخيّة بين أميركا وأوروبا. باتت الكرة في الملعب الأوروبي في عالم جديد يفرض على القارة العجوز تحمّل مسؤولياتها. لا يتعلّق الأمر بمستقبل الاتحاد الأوروبي الذي يضمّ 27 دولة بعدما خرجت منه بريطانيا نتيجة استفتاء شعبي أُجري في العام 2016 فحسب، هناك أيضاً أسئلة أخرى من نوع أي مستقبل لحلف شمال الأطلسي الذي لم يعد يهمّ واشنطن.

يظلّ ما هو أخطر من ذلك كلّه، أن أوروبا لم تعد تمتلك القدرة على الدفاع عن نفسها على الرغم من كلّ الضعف الذي عانت منه الحملة العسكريّة الروسية على أوكرانيا.

في النهاية، تبقى الأسئلة المطروحة، أسئلة من نوع لماذا كلّ هذه المواقف من الرئيس دونالد ترامب نحو أوروبا؟ لماذا هذا الإصرار على مكافأة روسيا؟ لماذا وضع مستقبل أوروبا في مهب الريح؟

لا أجوبة واضحة عن هذه الأسئلة باستثناء أنّ ترامب معجب ببوتين وبرغبته في استعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي. لذلك، نرى الرئيس الروسي يتعاطى بلطف شديد مع الرئيس الأميركي. على سبيل المثال وليس الحصر، لا رد روسياً عنيفاً على اعتقال القوات الأميركيّة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وجلبه مخفوراً إلى نيويورك تمهيداً لمحاكمته!

بات العالم عالماً غريباً بالفعل في وقت يزداد الشرخ بين أميركا وأوروبا اتساعاً... بوجود سياسات أميركية غير ثابتة لم يتبلور بعد أي منطق للسياسات التي تتبعها في أي مكان في العالم بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.



إقرأ المزيد