من النخوة الإماراتية إلى العزم الإماراتي
إيلاف -

عبدالعزيز سلطان المعمري

في العام الماضي كتبتُ مقالاً عن «17 يناير» بوصفه يوم النخوة الإماراتية، في سياق فرضته واقعة اعتداء إرهابي حدث عام 2022، كان المقال آنذاك معنياً بتوصيف اللحظة، ويكشف طبيعة خصم لا يؤمن بالدولة ولا يفهم منطقها.

حقيقة نحن اليوم، لا نقرأ الواقعة من هذه الزاوية ليس لتراجع أهميتها، بل لأن دولة الإمارات تجاوزتها منذ اللحظة الأولى سياسياً وأمنياً، بل ومجتمعياً، اليوم نتعامل مع حدث «17 يناير» ليس باعتباره أزمة، بل اختبار؛ وأن الاختبار لم يكن أمنياً فقط، بل اختباراً لعقيدة الدولة في إدارة الأخطار والتهديدات في إقليم معقّد، وفي شعب مؤمن بقيادته ويثق بفكرها ورؤيتها وقراراتها.

في ندوة نظمها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية منذ أيام، أكد أحد القيادات العسكرية العليا أن هجمات الحوثي لم تفاجئ قواتنا المسلحة الباسلة، لأنه سيناريو تم التجهيز له والاستعداد والتدريب عليه، وهنا تكمن الرؤية الاستراتيجية وقراءة الواقع وتوقع السيناريوهات المحتملة والاستعداد لها.

وبقراءة سياسية، إذا رجعنا إلى الاعتداء الإرهابي الذي وقع في 17 يناير 2022، علينا أن ندرك أنه لم يكن معزولاً عن سياقه الإقليمي، ولم يكن عملاً عسكرياً، بل هو نموذج عبارة عن ضربات محدودة ومحسوبة الهدف، منها خلق أثر نفسي وسياسي يفوق الأثر المادي.

هذه قراءة ليست نظرية أو عاطفية أو انحيازاً أعمى، ما حدث ذلك اليوم هو نمط متكرر، لأن الجماعات التي لا تملك فكر دولة، ولا اقتصاد، ولا مشروع تنموي حقيقي، لا تنافس ولا تفهم إلا في هدم الثقة، لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي للدول المستقرة صاحبة الرؤية الواضحة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه، لماذا العزم وليس النخوة؟ هل لأن النخوة لحظة، والعزم بنية قرار استراتيجي؟ والنخوة رد فعل اجتماعي أصيل في شعب الإمارات، والعزم منهج سياسي وأمني؟

من الخطأ التعامل اليوم مع التهديدات الأمنية للدول بالأدوات والمفاهيم القديمة، نحن أمام بيئة أمنية هجينة، تتمثل في أدوات عسكرية وحملات تضليل وتشويه ممنهجة ومنظمة، ومحاولات للضغط السياسي والاقتصادي والأمني.

من أراد أن يفهم فكر القيادة الإماراتية عليه أن يتعلم من كيفية التعامل مع الاعتداء الذي تم في يناير 2022، حيث كان الاعتداء نموذجاً مبكراً لهذا التهديد المركب، والرد الإماراتي لم يكن فقط في الميدان، بل في إعادة تثبيت معادلة أن الاستقرار ليس شعاراً، وأن الدولة التي استثمرت في مؤسساتها قادرة على امتصاص الصدمة دون أن تغير جلدها.

نحن في إقليم، نجد دولاً كثيرة تتحدث عن الردع، لكن حقيقة لا تملكه، لذا هي ترفع السقف الخطابي، الردع في السياسة ليس مسألة تصريحات، بل مسألة مصداقية، الردع الإماراتي قائم على ثلاث ركائز: قدرة حقيقية لا تحتاج إلى شرح، وقرار سياسي غير متردد، وسلوك ثابت لا يتغير تحت الضغط.

يوم العزم لا يحمل رسائل عاطفية، ولا يحتاج إلى خطاب إعلامي، يوم العزم، من وجهة نظري، رسالة موجهة لمن يفهم السياسة، مفادها أن دولة الإمارات لا تتغير بالضغط، ولا تُستدرج إلى الفوضى، ولا تساوم على نموذجها، وأن من يحاول اختبار صبرها، سيكتشف أن الصبر لا يعني الغياب، وأن الهدوء لا يعني الضعف، وأن الدولة التي بنت استقرارها لن تفرط فيه بسبب ضربة محسوبة أو حملة غوغائية.

«17 يناير» يوم معيار يُقاس به الفرق بين دول تُدار بردود الفعل، ودولة تُدار بالعزم. بين من يعيش على الضجيج، ومن يعمل بصمت، بين من يراهن على الفوضى، ومن يستثمر في الاستقرار، الإمارات دولة قرار، ودولة مؤسسات، ودولة تفهم أن الأمن الإقليمي علم وسياسة، لا خطابة وشعارات، الإمارات دولة التسامح والتعايش والسلام.



إقرأ المزيد