إيلاف - 1/11/2026 8:17:44 AM - GMT (+3 )
في عالمٍ تسودُه الفوضى وأنصافُ الحلول، برزتِ المملكة العربية السعودية قوةً رائدةً واجهتِ الإرهاب والفكرَ المتطرف بوصفه خطراً وجودياً، وليس ظاهرة عابرة يمكن إدارتها أو احتواؤها. وقد كان الأمير محمد بن سلمان تحديداً القائدَ الذي حسم هذا التعاطي منذ اللحظة الأولى، مستخدماً لغة غير مسبوقة قبله في العالم الإسلامي: «قطيعة كاملة مع التطرف، وتدمير فوري للفكر المتطرف، ولا عودة إلى الوراء». لم تكن هذه الكلمات خطاباً سياسياً، بل كانت إعلاناً لقرار سيادي تأسيسي أعادَ تعريفَ طبيعة المعركة وحدودها؛ إذ قال ولي العهد بوضوح: «لن نضيعَ 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرفة، سوف ندمّرهم اليوم وفوراً». ومن يتخذ هذا الموقف الجذري في لحظة الصعود الأولى، لا يمكن إلا أن يمضيَ فيه حتماً وهو في أوج مجده، لأنَّ المسار لم يكن مناورة مرحلية ولا استجابة ظرفية لضغط خارجي، بل كان خياراً استثنائياً يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الدولة السعودية ومكانتها الدينية والسياسية وأيضاً معركتها المبكرة مع التطرف.
منذ التأسيس واجهت السعودية انشقاقَ «إخوان من طاع الله» الذين تمرّدوا على الملك المؤسس عبد العزيز باسم تأويل متشدد للدين ورفضوا مفهوم الدولة الحديثة، فكان الحسم في معركة السبلة عام 1929 تأكيداً مبكراً أن الشرعية لا تُبنى على العقيدة المنفلتة بل على النظام والاستقرار. ثم جاءت صدمة جهيمان عام 1979 حين استهدف أقدس بقاع الأرض، في لحظة كشفت عن أن التطرف والغلو لا يحترمان حتى المقدسات، وأنَّ المملكة قِبلة الإسلام وأرض الحرمين ومهبط الوحي بكل هذه الرمزية ظلت هدفاً لكل الآيديولوجيات المتطرفة، لأنَّها كانت تستهدف قلب الشرعية الدينية الممثلة للإسلام المعتدل أو المجسّد في دولة دستورها الأساسي الكتاب والسنة.
بعد ذلك فجّرت حرب الخليج موجة جديدة من التشدد خرجت منها سرديات «الصحوة» وتنظيم «القاعدة»، الذي شنّ حرباً إرهابية مباشرة على المملكة منذ منتصف التسعينات وبلغ ذروته بين 2003 و2005. الرد السعودي كان شاملاً وحاسماً؛ إذ أُحبط نحو 160 مخططاً إرهابياً خلال سنوات قليلة، وتراجعت العمليات الكبرى من عشرات الهجمات إلى حالات نادرة، في واحدة من أنجح حملات مكافحة الإرهاب عالمياً. ثم واجهت المملكة تهديد «داعش» بعد 2014، وأحبطت خلاياه داخلياً ومنعت عمليات نوعية بينها مخطط لاستهداف الحرم المكي عام 2017، في وقت كانت فيه دول عديدة تعاني من انهيارات أمنية حادة. وفي ذروة الربيع العربي، اتخذت السعودية قراراً استباقياً غير مسبوق بتجريم تنظيمات الإسلام السياسي وتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية عام 2014، في وقت كانت فيه قوى كبرى لا تزال مترددة أو متساهلة في التعامل مع هذه التنظيمات، وبعد مرور أكثر من عقد، لا تزال تلك القوى عاجزة عن اتخاذ موقف يقترب من مستوى الحسم السعودي. هذا القرار المبكر لم يكن أمنياً فقط، بل قراءة سياسية عميقة ترى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في السلاح وحده، بل في الآيديولوجيا التي تُفرغ الدولة من معناها وتُعيد إنتاج الفوضى باسم الشرعية والدين.
عند هذه النقطة، ومع تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد عام 2017، انتقلتِ المواجهة من إدارة الخطر إلى اجتثاثه، ومن ردّة الفعل إلى الفعل المبادر، ومن الاكتفاء بإدارة المؤسسات إلى إعادة تشكيلها وضخ دماء جديدة فيها، خصوصاً في القطاعات الأمنية والثقافية، ورفع الجهد الأمني إلى مستوى مختلف لا يكتفي بالعقاب بعد وقوع الجريمة، بل يعمل على الفهم المبكر، والتحليل العميق للظاهرة، وربطها بسياقاتها الاجتماعية والفكرية والاقتصادية، والتعامل معها قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي. هنا يمكن فهم شخصية ولي العهد في ضوء ما وصفه ماكس فيبر بالقائد الاستثنائي الذي يظهر في لحظة استثنائية، لا ليكسر الواقع القائم فحسب، بل ليعيد بناءه على أسس جديدة. فالمسألة لم تكن مجرد تحسين أدوات الدولة، بل إعادة تعريف لوظيفتها ودورها، واعتبار أن أخطر ما فعله الإرهاب ليس القتل وحده، بل تشويه الإسلام ذاته، وهو ما عبّر عنه ولي العهد بقوله: «لن نسمح بما قاموا به من تشويه لعقيدتنا السمحة... سنلاحق الإرهاب حتى يختفي تماماً من وجه الأرض». وترافقت هذه الرؤية مع إصلاحات اجتماعية وثقافية عميقة أعادت التوازن والوسطية وجففتِ البيئة الحاضنة للتطرف، ومع تعزيز واسع للتعاون الدولي في تبادل المعلومات وتتبع التمويل، وقيادة تحالفات إسلامية ودولية لمحاربة الإرهاب، لتتحول السعودية من دولة مستهدفة إلى فاعل مركزي في أمن المنطقة والعالم. اليوم، وبشهادة تقارير أمنية وأبحاث أكاديمية غربية، تُعد التجربة السعودية من أنجح التجارب في تقليص التهديد الإرهابي داخلياً، لا بالقوة وحدها، بل بإعادة بناء المجال الديني والاجتماعي والسياسي. ومع تراكم هذه الإنجازات، تقترب المملكة فعلياً من تحقيق معادلة الصفر مع الإرهاب داخل أراضيها، بعد أن حسمت خيارها الوجودي بوضوح: لا تطرف، ولا مساومة. إنها ليست سياسة قابلة للمراجعة، بل مسار تأسيسي تقوده قيادة حاسمة، وتمضي فيه السعودية حتماً بلا رجعة، بوصفه أحد أعمدة بقائها واستقرارها ودورها في العالم الإسلامي والعالم.
خلاصة القول أنَّ السعودية اختارت في كل مراحلها التاريخية الوضوح والمواجهة، لكن برؤية محمد بن سلمان ارتقت للحسم، وحوّلت المعركة ضد الفكر المتطرف والإرهاب إلى قرار وجودي: نكون... أو لا نكون.
إقرأ المزيد


