أكثر من 58 ألف طن إنتاجا زراعيا.. كيف تتحول “التحديات” إلى “فرص إنتاجية”؟
جريدة البلاد - 10/15/2026 11:51:54 PM - GMT (+3 )
جريدة البلاد - 10/15/2026 11:51:54 PM - GMT (+3 )
مـن المزرعـة إلـى المخـزون.. البحريـن تعيـد رسـم معادلـة الأمـن الغذائـي
“الأرض والمـاء والاستيـراد”.. ثلاثـة تحديـات أمـام خطـة التوجهـات
لم يعد الأمن الغذائي ملفًّا يرتبط فقط بتوافر السلع على أرفف الأسواق، ولا يرتبط مناسبةً بيوم الغذاء العالمي الذي يصادف السادس عشر من أكتوبر من كل عام، وهو تاريخ تأسيس منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة عام 1945، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي للدول، خصوصًا مع اضطرابات سلاسل الإمداد وتقلب الأسعار والتحديات الجيوسياسية والمناخية.
وفي البحرين، تطرح محدودية الأراضي والموارد الطبيعية والاعتماد الكبير على الواردات سؤالًا اقتصاديًّا مهمًّا: ”كيف يمكن زيادة قدرة المملكة على إنتاج غذائها محليًّا، وفي الوقت نفسه بناء مخزون استراتيجي قادر على مواجهة الظروف الاستثنائية؟”.
المعادلة لا تقوم على تحقيق اكتفاء كامل، بقدر ما تقوم على رفع الإنتاج المحلي، والاستثمار في التقنيات الزراعية الحديثة، ودعم المزارع البحريني، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء قدرات أكبر للتخزين.
زينل: الزراعة في صدارة الأولويات
“الأمن الغذائي يجب أن يكون في صدارة الأولويات، خصوصًا في ظل المتغيرات التي يشهدها العالم، مشددًا على أهمية تنمية القطاع الزراعي في البحرين وزيادة الإنتاج المحلي باعتباره أحد المسارات الأساسية لتعزيز الأمن الغذائي”، تلك رؤية رجل الأعمال إبراهيم زينل الذي يرى أن البحرين، رغم صغر مساحتها، تمتلك أراضي يمكن استثمارها بصورة أفضل في الزراعة، إلى جانب ضرورة الاهتمام بتوزيع المنتجات الزراعية وتطوير منظومة تسويقها، بما يضمن وصول المنتج المحلي إلى المستهلك وتعزيز حضور المزارع البحريني في السوق.
وفق ذلك، يشير زينل إلى أن اعتماد البحرين بدرجة كبيرة على الاستيراد يجعل السوق أكثر تأثرًا بتقلبات الأسعار والأسواق العالمية، مؤكدًا أن المطلوب ليس تحقيق اكتفاء كامل، وإنما رفع قدرة المملكة على إنتاج جزء أكبر من احتياجاتها الأساسية محليًّا، بالتوازي مع تعزيز المخزون الاستراتيجي للسلع الأساسية لمواجهة الأزمات والظروف الاستثنائية.
85 إلى 90 % من الاحتياجات “خارجية”
ويذهب زينل إلى أبعد من زيادة الإنتاج الزراعي، داعيًا إلى تكاتف القطاع الخاص والجهات الرسمية لزيادة مساحات التخزين وتوفير الأراضي اللازمة لبناء مستودعات للسلع الأساسية التي لا يمكن إنتاجها محليًّا، فمنطقة الخليج العربي تعتمد على الخارج في ما لا يقل عن 85 إلى 90 % من احتياجاتها الغذائية، ولذلك تصبح كفاية المخزون الاستراتيجي إحدى الأولويات، داعيًا إلى دعم أنشطة التخزين عبر تخفيض الرسوم وتقديم التسهيلات للعمليات اللوجستية المرتبطة بالسلع الغذائية.
ومن هنا، ينظر زينل إلى الزراعة والإنتاج الغذائي والتخزين الاستراتيجي باعتبارها منظومة واحدة، يمكنها تقليل المخاطر وتعزيز قدرة البحرين على التعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد.
12 أرضًا جديدة للمزارعين
وعلى الجانب الرسمي، هناك توجه نحو توسيع النشاط الزراعي، ففي 7 مايو 2026، وقعت وزارة شؤون البلديات والزراعة اتفاقيات لتخصيص 12 أرضًا زراعية في منطقة بوري للمزارعين البحرينيين، بمساحة إجمالية بلغت 81,996.93 متر مربع، وتتراوح مساحة الأرض الواحدة بين 6 آلاف و8 آلاف متر مربع، بعقود تمتد إلى عشر سنوات، تتضمن فترة سماح لمدة عام.
وتستهدف هذه الخطوة مواصلة تعزيز الأمن الغذائي وتنمية القطاع الزراعي، مع تقديم الدعم الفني والاستشاري للمزارعين، فيما تعمل الوزارة على استكمال البنية التحتية وشبكات الري للأراضي المخصصة.
“غذاء”.. أصول بمظلة واحدة
ويبرز في المشهد كذلك نموذج شركة غذاء البحرين القابضة “غذاء” تأسست عام 2024 تحت مظلة شركة ممتلكات البحرين، لتعزيز النمو والابتكار في قطاعي الأغذية والزراعة ودعم جهود الأمن الغذائي، وتضم الشركة أصولًا غذائية تشمل الشركة العامة للدواجن، ودلمون للدواجن، والبحرين لمطاحن الدقيق، والبحرين للتطوير الزراعي “غراس”، بما يفتح المجال أمام تكامل أكبر بين الإنتاج والتصنيع والتوزيع، إلى جانب البحث عن استثمارات وتقنيات جديدة في القطاع الغذائي.
من 38 إلى 58.5 ألف طن
ويقدم الباحث والمحلل الاقتصادي علي إبراهيم مصطفى فقيه بعدًا رقميًّا للمشهد، وتشير دراسته إلى ارتفاع إجمالي الإنتاج الزراعي في البحرين من نحو 38 ألف طن عام 2015 إلى قرابة 58.5 ألف طن في 2024، بالتوازي مع تطور استخدام الزراعة الذكية والمحميات الخاضعة للتحكم والزراعة الأفقية.
وتلفت الدراسة إلى فرص إضافية تتيحها تقنيات الذكاء الاصطناعي وأجهزة استشعار إنترنت الأشياء وتقنيات الاستزراع الصحراوي في زيادة الإنتاج وتحسين استخدام الموارد المحدودة، بينما تظل ندرة الأراضي والمياه والتغير المناخي والاعتماد على استيراد الغذاء من أبرز التحديات.
العجيمي: استثمار في الأمن الغذائي
ما هو موقع المزارعين البحرينيين في المشهد ككل؟ من هذه الزاوية، يشدد الخبير الزراعي نبيل بن حسن العجيمي على أهمية مواصلة توسعة وتطوير القطاع الزراعي والإنتاجي في البحرين، ودعم المزارعين وتمكينهم من استخدام الأساليب والتقنيات الحديثة، بما يسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتحسين جودته وتعزيز الأمن الغذائي. ويوضح بقوله: ”إن التجربة الزراعية البحرينية أثبتت أن محدودية المساحة لا تمنع من تحقيق نتائج متقدمة متى توافرت المعرفة والتخطيط والدعم، فالكثير من المحاصيل والأشجار التي كانت تستورد من الخارج أصبح بالإمكان إنتاج نسبة كبيرة منها في المزارع البحرينية”.
ومن تجربته الممتدة لأكثر من 30 عامًا، يرى العجيمي أن الاستثمار في الأرض والمزارع البحريني يحتاج إلى رؤية طويلة المدى، وربط المعرفة والخبرة بالتقنيات الزراعية الحديثة، سواء في الزراعة التقليدية أو البيوت المحمية، مع التركيز على نوعية المحاصيل وجودتها وكفاءة الإنتاج، ذلك لأن تطوير الزراعة ينبغي أن يترافق مع توفير البيئة المناسبة للمزارعين وتشجيعهم على زيادة الإنتاج، والتوسع في المشاتل والأشجار المثمرة والمحاصيل ذات الجدوى، وتعزيز التعاون بين المزارعين والجهات الرسمية.
وشدد العجيمي على أن دعم المزارع البحريني ليس دعمًا لفرد أو مهنة فحسب، وإنما استثمار في الإنتاج الوطني والأمن الغذائي والبيئة والاقتصاد، مؤكدًا أن البحرين تمتلك خبرات زراعية وطنية قادرة على تحقيق نتائج أكبر متى أتيحت لها الإمكانات والمساحات والحوافز اللازمة.
“الزراعية” المهارات وزيادة الإنتاج
تعمل جمعية البحرين التعاونية الزراعية على تعزيز الأمن الغذائي يتطلب مواصلة تطوير القطاع الزراعي ورفع قدرات المزارعين، بما يسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتحسين جودته واستدامته، وفق توجيهات جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، بالتركيز على الأمن الغذائي والسعي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال تطوير مهارات المزارعين وتمكينهم من الاستفادة من الإمكانات المتاحة لزيادة الإنتاج المحلي والارتقاء بجودته.
وتسعى الجمعية إلى وضع الخطط والبرامج التي تساند استراتيجيات الحكومة في تطوير القطاع الزراعي، إلى جانب المساهمة في توفير فرص العمل وتوسيع قاعدة المنتسبين والمساهمين في الجمعية، بما يعزز المشاركة في تنمية هذا القطاع الحيوي، وهناك دعم واهتمام توليهما صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة جلالة الملك المعظم رئيسة المجلس الاستشاري للمبادرة الوطنية لتنمية القطاع الزراعي، للقطاع الزراعي عمومًا وللمزارعين خصوصًا، وهذا الاهتمام انعكس بصورة إيجابية على جهود تطوير القطاع وتعزيز استدامته.
وتثمن “التعاونية الزراعية” دور وزارة شؤون البلديات والزراعة وما تبذله من جهود لدعم القطاع الزراعي والمزارعين، إلى جانب أدوار الوزارات والمؤسسات الرسمية ذات الصلة، فتكامل جهود المزارعين والجمعيات والجهات الحكومية يمثل أساسًا لزيادة الإنتاج المحلي وتعزيز منظومة الأمن الغذائي في البحرين.
أمن أكثر استدامة
وهكذا تبدو معادلة الأمن الغذائي في البحرين قائمة على ثلاثة مسارات متوازية: نزرع ما نستطيع إنتاجه بكفاءة، ونخزن ما لا نستطيع إنتاجه محليًّا، وننوّع مصادر ما نحتاج إلى استيراده، وبين الأرض والمستودع والتكنولوجيا، تتشكل منظومة أكثر قدرة على مواجهة التقلبات، يكون فيها المزارع البحريني والقطاع الخاص والاستثمار والتقنية شركاء في صناعة أمن غذائي أكثر استدامة.
إقرأ المزيد
إقرأ المزيد


