مرض نادر وعزلة قاسية.. نجلاء علي تروي حكايتها مع «تاكاياسو»
البلاد برس - 10/4/2026 12:54:51 AM - GMT (+3 )
البلاد برس - 10/4/2026 12:54:51 AM - GMT (+3 )
“تاكاياسو”... اسم قد يسمعه كثيرون للمرة الأولى. وهو مرض نادر من أمراض المناعة الذاتية، يُعرف بالتهاب الشرايين أو «مرض انعدام النبض»، ويُعد أحد أشكال التهاب الأوعية الدموية الكبيرة. ورغم أنه يُشاهد بصورة أكبر لدى الشابات من أصول آسيوية، فإنه قد يصيب أي شخص. وقد سُجلت أول حالة معروفة للمرض في اليابان عام 1908 على يد طبيب العيون الياباني ميكيتو تاكاياسو، الذي حمل المرض اسمه لاحقًا. وفي البحرين، تُعد حالات الإصابة بهذا المرض نادرة جدًا، إذ أفاد أطباء بأن عدد المصابين به لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. نجلاء علي واحدة من هؤلاء المرضى الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مرض نادر وغامض، خاضت معه رحلة طويلة من التيه والتنقل بين المستشفيات والعيادات، متنقلة بين أطباء العظام والباطنية وأمراض الدم، قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح. وخلال هذه الرحلة، لم تواجه المرض وحده، بل واجهت أيضًا قلة الوعي بطبيعته، وما يرافقه من عزلة وسوء فهم وعتب، وأحيانًا التنمر وأحكام يطلقها الآخرون على مرض لا تظهر آثاره دائمًا للعيان. ورغم ما فرضه عليها المرض من تحديات جسدية ونفسية، لا تزال نجلاء تواصل رحلتها مع «تاكاياسو» بإصرار وصبر. «صحتنا» التقتها لتروي تفاصيل تجربتها مع المرض النادر، والتحديات التي رافقتها منذ ظهور الأعراض وحتى اليوم.
“متى بدأت قصتك مع المرض؟ وكيف تم التشخيص؟
بدأت قصتي عام 2022 بآلام في الظهر ومنتصف الصدر، وصعوبة في التنفس، وإرهاق شديد من أقل مجهود. ظننت في البداية أن ما أعانيه هو «الأبهر»، وتنقلت بين العيادات والعلاج الطبيعي، دون أن أدرك أن تلك الأعراض كانت بداية رحلة طويلة من المعاناة. وبعد ثلاث سنوات من البحث والألم، وصلت أخيرًا إلى التشخيص الصحيح، بعد رحلة لم تكن سهلة بسبب صعوبة التعرف إلى المرض وتشابه أعراضه مع حالات أخرى.
“كيف أثّر المرض في حياتك اليومية؟
لم يقتصر أثر المرض على الألم الجسدي، بل امتد ليغيّر تفاصيل حياتي اليومية بشكل قاسٍ. فقد اضطررت إلى التوقف عن إدارة عملي الخاص بسبب آلام المفاصل وصعوبة الحركة، كما تقلصت علاقاتي الاجتماعية نتيجة عزلة فرضها المرض. وكان الأصعب من ذلك غياب التفهم والدعم من بعض المحيطين بي، والوقوع تحت طائلة «العتب اللائم» بسبب قلة المعرفة بطبيعة المرض وأعراضه الخفية، ما جعل رحلة المواجهة أكثر قسوة وإرهاقًا. وأواجه هذه الرحلة بجسد متعب وقلب مثقل بالعتاب.
“هل مررتِ بفترة شعرتِ فيها بأن من حولك لا يفهمون طبيعة مرضك أو حجم معاناتك؟
في رحلتي مع المرض، انقسم من حولي بين من عايش تفاصيل معاناتي ووقف إلى جانبي، ومن لم يستوعب حجم ما أمر به. وكان الأصعب هو «خديعة التعافي الظاهري»؛ فالأدوية والمسكنات والكورتيزون كانت تخفف الأعراض وتمنحني مظهرًا يوحي بالتحسن، بينما تخفي وراءها معركة يومية شاقة لا يدركها الآخرون.
تطور المرض سريعًا ليصيب العظام والمفاصل كافة، مسببًا صعوبة شديدة في الحركة، وآلامًا حادة تشبه الصعقات الكهربائية في أطراف اليدين والقدمين، إضافة إلى ضيق التنفس، وفقدان الوزن، والتعرق الليلي. وبلغت المعاناة ذروتها حين أصبحت غير قادرة على النوم لأكثر من نصف ساعة متواصلة، بعد أن فقدت المسكنات فعاليتها.
ولا تزال رحلتي مع مرض «تاكاياسو» مستمرة، إذ أعاني حاليًا اضطرابات مقلقة في تدفق الدم في اليدين والقدمين، ما استدعى إجراء فحوصات عاجلة للاطمئنان على سلامة الأوعية الدموية. كما امتدت مضاعفات المرض إلى بصري، فتسببت في تجمع سوائل خلف الشبكية أثّر على قدرتي على النظر، وأجبرني على التوقف عن قيادة السيارة لفترة، قبل أن أواجه لاحقًا الإصابة بالماء الأبيض نتيجة المرض والعلاجات طويلة الأمد.
“كيف كانت رحلة البحث عن التشخيص الصحيح؟
بدأت رحلة التشخيص الصحيح بمنعطف عصيب، حين شُخّصت خطأً في عيادة خاصة بالاشتباه في وجود ورم، اعتمادًا على نتائج الالتهاب في الدم ومن دون أشعة، ما أدخلني في خوف واكتئاب شديدين، لكنه دفعني إلى إجراء الفحص النووي. بعدها قادني القدر إلى مستشفى الملك حمد الجامعي، حيث خضعت لفحوصات وأشعة شاملة، وهناك استطاعت الدكتورة سحر سعد، بفضل خبرتها، تشخيص مرضي النادر «تاكاياسو» (التهاب الشرايين المناعي) استنادًا إلى الأعراض السريرية، حتى قبل صدور نتائج الأشعة.
“كيف أثّرت الإصابة بالمرض في حالتك النفسية؟
كان للمرض أثر نفسي بالغ، إذ وضعني في مواجهة مباشرة مع ضعفي البشري. ومع ذلك، ولله الحمد، كان الابتلاء سببًا في إعادة صياغتي من الداخل وتقريب قلبي إلى الله.
ورغم ما أعيشه من فترات من التعب النفسي والجسدي، خصوصًا مع نشاط المرض وعودة آلامه، فإن عزائي يكمن في تفويض أمري إلى الله، واليقين بقوله تعالى: «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها». وهكذا تحول الوجع من مجرد ألم جسدي إلى رحلة من الصبر والاحتساب والسكينة الروحية.
“ماذا يعني أن تكون صاحب مرض نادر؟
إن ندرة مرض «تاكاياسو» جعلتني أواجه غياب الوعي بطبيعته، ليس خلال رحلة التشخيص فحسب، بل حتى اليوم، إذ ما زلت ألاحظ محدودية معرفة بعض الأطباء والممرضين بالمرض وطبيعته.
وتكمن الخطورة الأكبر في أن علاجي وأدويتي الحالية قد تتعارض مع بعض العقاقير الشائعة، ما يجعل وصف أي دواء دون معرفة دقيقة بحالتي أمرًا قد يهدد سلامتي. لذلك، أوجه نداءً إلى تكثيف التوعية بين الكوادر الطبية بالأمراض النادرة وتداخلاتها الدوائية.
ومن هذا المنبر، أتمنى أن تسمح الجهات المعنية لي بتسلّم الدواء وتلقي الحقنة في المنزل، خصوصًا أنني أجيد طريقة أخذها، بما يخفف عني عناء السفر والانتظار المتكرر في المستشفى، ويمنحني قدرًا أكبر من الراحة والاستقرار في ظل رحلتي المستمرة مع المرض.
إقرأ المزيد
إقرأ المزيد


