اقتصاد الخبرة... هل تصبح الخدمات المهنية صادرات البحرين الجديدة؟
البلاد برس - 10/4/2026 12:19:30 AM - GMT (+3 )
البلاد برس - 10/4/2026 12:19:30 AM - GMT (+3 )
الخدمات المهنية تمتلك المقومات لتصبح أحد أهم صادرات البحرين الجديدة القائمة على المعرفة والقيمة المضافة
النمو المتسارع للقطاع يعزز فرص تحويل الخبرة البحرينية إلى خدمات تنافس في الأسواق الخليجية والإقليمية
الفائض في تجارة الخدمات يؤكد أن البحرين ليست سوقا محلية فقط بل منصة لتقديم خدمات عابرة للحدود
استقطاب أكثر من مليار دينار من الاستثمارات يعكس الثقة بقدرة البحرين على تطوير اقتصاد المعرفة
المناقصات المحلية يمكن أن تشكل قاعدة لبناء شركات بحرينية قادرة على تصدير خدماتها إلى الخارج
التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل نمو القطاع إلى وظائف نوعية وفرص قيادية أكبر للبحرينيين
السوق الخليجية توفر فرصا واسعة للشركات البحرينية المتخصصة في الاستشارات والهندسة والتقنيات الحديثة
وجود المؤسسات العالمية في البحرين يجب أن يتحول إلى قناة لنقل المعرفة وبناء خبرات وطنية مستدامة
البحرنة في اقتصاد الخبرة لا تقاس بالأعداد فقط بل بوجود البحرينيين في مواقع القرار والخبرة
في اقتصاد المعرفة تصبح الخبرة والخدمة المتخصصة من أكثر الصادرات قدرة على النمو والاستدامة
لا تحتاج صادرات الخدمات المهنية إلى ميناء أو حاوية شحن؛ فهي تعبر الحدود في تقرير تدقيق، أو تصميم هندسي، أو عقد قانوني، أو دراسة جدوى، أو استشارة إدارية تُنجز في البحرين لمصلحة عميل خارجها. وفي اقتصاد صغير ومفتوح، تبدو هذه الميزة شديدة الأهمية: قيمة مضافة مرتفعة، واستهلاك محدود للأرض والطاقة، وفرص وظيفية نوعية، وإمكانية للوصول إلى أسواق تفوق السوق المحلية أضعافاً.
الأرقام تعزز هذا الرهان. فقد نما قطاع الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية في البحرين بنسبة 6.4 % بالأسعار الثابتة خلال 2025، متقدماً على نمو الاقتصاد الكلي البالغ 3.5 %. ولم يكن ذلك ارتفاعاً عابراً؛ إذ سجل القطاع نمواً بنحو 9.5 % في 2024، ثم قفز بنسبة 12 % على أساس سنوي في الربع الثاني من 2025. وبذلك أصبح من أسرع الأنشطة غير النفطية نمواً خلال عامين متتاليين.
لكن القصة الأكثر أهمية ليست أن القطاع ينمو، بل نوع النمو الذي تحققه البحرين منه: هل يتحول إلى صادرات ووظائف مرتفعة الأجر ونقل للمعرفة، أم يبقى نشاطاً محلياً يعتمد بدرجة كبيرة على الخبرات
المستوردة والإنفاق الحكومي؟
قطاع واسع لا يقتصر على الاستشارات واستثمارات تتجاوز المليار دولار
يشمل القطاع، وفق التصنيفات الاقتصادية الدولية، المحاسبة والتدقيق، والاستشارات الإدارية والقانونية، والهندسة والعمارة، والفحوص التقنية، والبحث والتطوير، والإعلان وأبحاث السوق، والتصميم، وخدمات الملكية الفكرية وغيرها.
وهذه أنشطة ترتبط مباشرة بجودة الاقتصاد كله. فالمصنع يحتاج إلى مهندس وفاحص جودة، والبنك يحتاج إلى مدقق ومستشار مخاطر، والمستثمر يحتاج إلى محامٍ وخبير ضرائب، والمشروع العقاري يحتاج إلى مصمم ومدير مشروع. لذلك فإن قوة الخدمات المهنية لا تضيف قطاعاً جديداً فحسب، بل ترفع كفاءة القطاعات القائمة وتخفض كلفة الأخطاء والمخاطر.
وتكشف البيانات أن القطاع استقطب حتى 2025 رصيد استثمار أجنبي مباشر بلغ نحو 1.05 مليار دينار. وهذا رقم لافت لقطاع لا يعتمد على المصانع الثقيلة أو الأصول المادية الضخمة، بل على الكفاءات والسمعة والعلاقات مع العملاء.
2025 : فائض كبير في تجارة الخدمات بلغ 5.72 مليار دولار
وفق أحدث بيانات منظمة التجارة العالمية، بلغت صادرات البحرين من الخدمات التجارية في 2025 نحو 18.69 مليار دولار، مقابل واردات بنحو 12.97 مليار دولار، محققة فائضاً يقارب 5.72 مليارات دولار. أي إن الصادرات تجاوزت الواردات بنحو 44 %، فيما بلغ إجمالي التدفقات الخدمية في الاتجاهين أكثر من 31.6 مليار دولار.
هذه الأرقام تؤكد أن البحرين ليست اقتصاداً خدمياً بالمعنى المحلي فقط، بل منصة تتعامل مع عملاء وأسواق خارجية. غير أن الرقم يشمل السفر والنقل والخدمات المالية والاتصالات وغيرها، ولا يمثل الخدمات المهنية وحدها. وهنا تظهر فجوة مهمة: لا توجد سلسلة منشورة ومفصلة تتيح معرفة قيمة صادرات الاستشارات والهندسة والتدقيق والقانون والبحث والتطوير، أو أسواقها الرئيسية.
هذه ليست مشكلة إحصائية هامشية؛ فما لا يُقاس يصعب وضع سياسة لتطويره. فقد ترتفع صادرات الخدمات، بينما تظل حصة الخدمات المعرفية محدودة. وقد ينمو القطاع محلياً بسبب عقد حكومي كبير، من دون أن يضيف ديناراً واحداً إلى الصادرات.
رقم آخر يكشف فرصة محلية ضخمة
خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025 طُرحت في البحرين 1,538 مناقصة بقيمة تقارب 3 مليارات دولار، واستحوذ قطاع الإنشاءات والاستشارات الهندسية على نحو 835 مليون دولار، أي قرابة 28 % من القيمة الإجمالية.
هذه السوق قادرة على بناء شركات بحرينية تمتلك سجلاً من المشروعات والخبرات يؤهلها للمنافسة خليجياً. لكن المناقصة المحلية ينبغي ألا تكون نهاية دورة العمل، بل منصة لاكتساب المعرفة والمراجع المهنية ثم تصديرها. فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد العقود المنفذة داخل البحرين، وإنما بعدد الشركات التي انتقلت من مقاول فرعي محلي إلى مستشار رئيسي في مشروع إقليمي.
وتمنح السوق الخليجية البحرين فرصة مضاعفة. فخطط البنية التحتية والتحول الرقمي والطاقة والاستدامة وفرض ضرائب الشركات وتطوير أسواق المال تولد طلباً واسعاً على الاستشارات والامتثال وإدارة المشروعات والهندسة والأمن السيبراني. ولا تحتاج الشركة البحرينية إلى منافسة المراكز العالمية في كل تخصص؛ يكفي أن تتفوق في مجالات مرتبطة بخبرة البحرين، مثل التمويل الإسلامي، والتقنيات المالية، والرقابة المصرفية، والتحكيم، والضرائب الدولية، والاستدامة، وهندسة المشروعات البحرية والصناعية.
نموذج قائم يثبت إمكانية النجاح
تستضيف البحرين بالفعل عدداً كبيراً من المؤسسات المهنية العالمية العاملة في التدقيق والاستشارات والخدمات القانونية والهندسية والتقنية، وبعضها يستخدم المملكة لخدمة عملاء في دول مجاورة. وهذا يثبت أن موقع البحرين وبيئتها التنظيمية وقدرتها على استقطاب الكفاءات تسمح بتقديم خدمات إقليمية عالية القيمة من داخل المملكة.
لكن مجرد وجود المؤسسات العالمية لا يكفي. السؤال الاقتصادي هو: كم تبلغ الإيرادات الإقليمية المسجلة من البحرين؟ وكم بحرينياً يعمل في الوظائف الفنية والقيادية؟ وما حجم الأعمال المسندة إلى شركات محلية؟ وهل تنتقل المعرفة إلى السوق الوطنية، أم تبقى محصورة داخل المؤسسة؟
يمكن تحويل هذا الوجود إلى «مدرسة اقتصادية» تخرج مديرين ومستشارين وشركاء بحرينيين يؤسسون لاحقاً شركاتهم الخاصة، شريطة ربط الحوافز الاستثمارية بمؤشرات واضحة للصادرات والتدريب والتدرج المهني وتطوير الموردين المحليين.
نمو سريع... لكن البحرينيين أقل من الخُمس
بلغ عدد العاملين في القطاع الخاص ضمن الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية خلال 2025 نحو 37.5 ألف عامل، بينهم قرابة 6.3 آلاف بحريني فقط. وبذلك لا تتجاوز نسبة البحرينيين نحو 16.8 %؛ أي أن أكثر من خمسة من كل ستة عاملين غير بحرينيين. كما بلغ متوسط الأجر الوسيط للبحرينيين في القطاع نحو 550 ديناراً.
وهنا تبرز مفارقة لا يجوز تجاوزها: قطاع يفترض أنه مرتفع المهارة والقيمة، لكنه لا يزال محدود الأثر في توظيف المواطنين، فيما لا يعكس الأجر الوسيط الصورة المتوقعة لاقتصاد الخبرة. وقد يعني ذلك تركز البحرينيين في الوظائف المبتدئة والمساندة، أو بقاء الوظائف الاستشارية المتخصصة والقيادية خارج نطاق التوطين.
لذلك يجب ألا تقاس البحرنة بعدد الموظفين فقط، بل بمواقعهم: كم بحرينياً أصبح شريكاً أو مدير مشروع أو خبيراً معتمداً؟ وكم يدير علاقات العملاء والأسواق الإقليمية؟ فالتوطين الحقيقي للقطاع هو توطين الخبرة والقرار والإيراد، لا مجرد التوظيف الإداري.
من النمو المحلي إلى صناعة تصديرية
لتحويل الخدمات المهنية إلى رافد اقتصادي متكامل، يمكن تبني حزمة أكثر طموحاً:
استراتيجية وطنية لصادرات الخدمات المهنية حتى 2030، تتضمن أهدافاً سنوية لقيمة الصادرات، وعدد الشركات المصدرة، والأسواق المستهدفة، ونسبة البحرينيين في الوظائف الفنية والقيادية.
إنشاء حساب إحصائي تفصيلي للخدمات المعرفية ينشر صادرات كل نشاط بحسب السوق وطريقة التوريد، ويفصل الاستشارات والهندسة والقانون والتدقيق والبحث والتطوير عن بقية الخدمات التجارية.
تأسيس منصة بحرينية للعطاءات الإقليمية تجمع الشركات الصغيرة والمتوسطة في تحالفات مؤقتة؛ فشركة هندسية ومكتب قانوني ومستشار مالي وشركة تقنية يمكنها معاً التقدم لعقد لا تستطيع أي منها تنفيذه منفردة.
تطوير تمويل وضمانات لصادرات الخدمات تغطي كلفة إعداد العطاءات الخارجية، والتأمين ضد المسؤولية المهنية، والحصول على الاعتمادات الدولية، وفتح المكاتب أو تعيين الوكلاء في الأسواق المستهدفة. ويمكن البناء على برامج دعم تصدير الخدمات القائمة.
استخدام المشتريات الحكومية أداةً لنقل المعرفة عبر منح وزن أكبر للعروض التي تتضمن نسب بحرنة أعلى، وخطة تدريب قابلة للقياس، وشراكة حقيقية مع مؤسسة محلية.
إطلاق مسار مهني للخدمات الاحترافية يربط الجامعات وأصحاب العمل والشهادات الدولية، ويتضمن تدريباً مدفوعاً من 18 إلى 24 شهراً في المحاسبة والهندسة والتحليل والامتثال والاستشارات الرقمية وإدارة المشروعات.
ربط حوافز المؤسسات العالمية بالأثر المحلي، بما يشمل الإيرادات المصدرة من البحرين، وتطوير الموردين المحليين، ونسب البحرنة في الوظائف المتخصصة، وعدد البحرينيين الذين يصلون إلى الإدارة والشراكة.
اختيار تخصصات بحرينية واضحة بدلاً من التشتت، أبرزها التمويل الإسلامي والتقنيات المالية، والامتثال المصرفي، والضرائب الدولية، والتحكيم، والاستدامة، والأمن السيبراني، وإدارة المشروعات والفحوص الهندسية.
تسريع الاعتراف الخليجي بالتراخيص والشهادات المهنية، وتسهيل انتقال الخبراء والعقود والمدفوعات، بما يسمح للشركة البحرينية بالتعامل مع الخليج كسوق واحدة لا ست أسواق منفصلة.
الرهان على العقل البحريني
تملك البحرين عناصر الانطلاق: قطاعاً سريع النمو، وفائضاً كبيراً في تجارة الخدمات، واستثمارات أجنبية تتجاوز مليار دينار، ووجوداً لمؤسسات دولية، وقاعدة مالية وتنظيمية متقدمة، وسوقاً خليجية ضخمة على مسافة قريبة.
لكن الانتقال من «استضافة شركات تقدم خدمات» إلى «دولة تصدر الخبرة» يتطلب قياساً أدق، وشركات محلية أكبر، وكفاءات بحرينية تتقدم إلى مواقع القيادة، وحوافز مرتبطة بالتصدير ونقل المعرفة.
في الاقتصاد الصناعي تُقاس القوة بعدد المصانع وخطوط الإنتاج. أما في اقتصاد الخبرة، فتُقاس بعدد المتطلبات القنية المعقدة التي يستطيع البحرينيين تقديم خدماتهم لمعالجتها لعملاء يدفعون من خارج المملكة. وهذه قد تكون إحدى أكثر الصادرات قدرة على النمو: لا تغادر البلاد في حاوية، بل في خدمة تحمل توقيعاً بحرينياً.
إقرأ المزيد
إقرأ المزيد


