تقرير | اضطرابات “هرمز” تعيد رسم خريطة التجارة الخليجية.. هل تتحول البحرين إلى بوابة لوجستية جديدة؟
البلاد برس -
فرضت الاضطرابات المتواصلة في مضيق هرمز واقعًا جديدًا على حركة التجارة والطاقة في الخليج، ودَفعت دول المنطقة إلى إعادة التفكير في مدى الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية، وتسريع البحث عن مسارات بديلة وأكثر مرونة لحماية سلاسل الإمداد. وفي الوقت الذي تتجه فيه دول خليجية إلى توسيع قدرات موانئها وتطوير خطوط أنابيب ومسارات برية وبحرية بديلة، تبرز أمام مملكة البحرين فرصة مختلفة تقوم على استثمار موقعها الجغرافي، وميناء خليفة بن سلمان، وشبكة النقل المتصلة بالسعودية، إلى جانب منظومة الخدمات اللوجستية والمطار، لتتحول من مجرد سوق مستفيدة من حركة التجارة الخليجية إلى حلقة لوجستية إضافية في شبكة الإمداد الإقليمية. وتكتسب هذه الفرصة أهمية أكبر في ظل ما كشفته الأزمة من مخاطر الاعتماد على ممر بحري واحد. فقد أدت الاضطرابات في مضيق هرمز إلى دفع دول الخليج نحو تسريع الاستثمارات في الموانئ والبنية التحتية ومسارات تصدير الطاقة البديلة، في محاولة لتقليل المخاطر المرتبطة بأحد أهم الممرات التجارية في العالم. البحرين.. موقع صغير أمام سوق خليجية ضخمة لا تكمن ميزة البحرين بالضرورة في قدرتها على منافسة أكبر الموانئ الخليجية من حيث الحجم، وإنما في موقعها وقربها من أكبر اقتصاد خليجي، وقدرتها على الجمع بين النقل البحري والبري والجوي في مساحة جغرافية محدودة. ويشير مجلس التنمية الاقتصادية إلى أن البحرين تتمتع بموقع استراتيجي في قلب الخليج، مع قرب ميناء خليفة بن سلمان من مطار البحرين الدولي ومناطق الإنتاج والتخزين، كما تمثل المملكة بوابة قريبة إلى السوق السعودية، إذ يمكن الوصول إلى 75 % من الاقتصاد السعودي خلال ساعات عبر جسر الملك فهد. وهذه الميزة تصبح أكثر أهمية في أوقات اضطراب طرق التجارة، عندما تبحث الشركات عن مرونة إضافية بدل الاعتماد على مسار واحد لنقل البضائع. ميناء خليفة بن سلمان.. الأصل الذي يمكن البناء عليه يمثل ميناء خليفة بن سلمان إحدى أهم نقاط القوة في المنظومة اللوجستية البحرينية، إذ تبلغ طاقته التصميمية نحو 1.1 مليون حاوية نمطية سنويًا، مع مساحة تبلغ نحو 900 ألف متر مربع لمحطة الحاويات، وفق بيانات مجلس التنمية الاقتصادية. لكن الأهمية المستقبلية للميناء لا ترتبط فقط بحجم الطاقة الاستيعابية، وإنما بقدرته على الاندماج مع شبكة أوسع من الخدمات اللوجستية.فكل حاوية تصل إلى البحرين لا تمثل بالضرورة عملية تفريغ وإعادة شحن فقط؛ بل يمكن أن تتحول إلى سلسلة من الأنشطة الاقتصادية تشمل التخزين، وإعادة التصدير، والتوزيع، والتخليص الجمركي، والخدمات ذات القيمة المضافة، والنقل البري والجوي.وهنا تحديدًا تكمن فرصة البحرين. الرابط البحري مع الدمام.. فرصة عملية وليست نظرية ومن التطورات التي تعزز هذه الفكرة إطلاق خدمة GULF SHUTTLE التي تربط ميناء الملك عبدالعزيز في الدمام مباشرة بميناء خليفة بن سلمان في البحرين، بطاقة تصل إلى 3 آلاف حاوية نمطية. وأعلنت الهيئة العامة للموانئ السعودية أن الخدمة تأتي في إطار تعزيز الربط البحري وانسيابية حركة التجارة، فيما اعتبرت تقارير اقتصادية أن الربط بين الدمام والبحرين يمثل خطوة لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتوفير خيارات إضافية أمام حركة البضائع في المنطقة. وهذا التطور يحمل أهمية خاصة للبحرين؛ إذ يفتح الباب أمام تصور أوسع لدور المملكة كحلقة وصل بين الموانئ السعودية والسوق البحرينية وشبكة التوزيع الإقليمية. فبدل النظر إلى ميناء خليفة بن سلمان كميناء يخدم احتياجات البحرين فقط، يمكن تطوير دوره ليكون جزءًا من منظومة توزيع إقليمية تستفيد من القرب الجغرافي من المنطقة الشرقية السعودية. «البحر–الجو».. ميزة يصعب تجاهلها إحدى أهم نقاط القوة الأخرى تتمثل في الربط بين ميناء خليفة بن سلمان ومطار البحرين الدولي. ويشير مجلس التنمية الاقتصادية إلى أن مركز البحرين العالمي للخدمات اللوجستية «البحر–الجو» خفّض زمن العمليات اللوجستية بين الميناء والمطار إلى النصف، وخفض التكلفة بنسبة 40 %، مع إمكانية إنجاز إجراءات نقل الحاويات العابرة بين البحر والمطار ضمن مسار جمركي سريع يصل إلى ساعتين. وهذا النموذج يمنح البحرين فرصة للدخول في سوق مختلفة عن سوق الموانئ العملاقة؛ وهي الشحنات ذات القيمة العالية والحساسة للوقت، التي لا يكون فيها السعر وحده العامل الحاسم، وإنما سرعة الوصول والمرونة والقدرة على تغيير وسيلة النقل.ومن هنا يمكن للبحرين أن تستهدف قطاعات مثل قطع الغيار، والإلكترونيات، والأدوية، والسلع ذات القيمة المرتفعة، والشحنات العاجلة، والتجارة الإلكترونية. من «الميناء» إلى «المنصة» التحدي الحقيقي أمام البحرين ليس إنشاء ميناء جديد، بقدر ما هو زيادة القيمة الاقتصادية لكل حاوية تمر عبر المملكة. فكلما زادت الخدمات التي تقدمها الشركات البحرينية للحاويات قبل وصولها إلى وجهتها النهائية، ارتفعت القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد. ويشمل ذلك: التخزين وإدارة المخزون. إعادة التصدير. التعبئة والتغليف. التجميع والتصنيع الخفيف. التخليص الجمركي. الخدمات اللوجستية للغير 3PL. إدارة سلاسل الإمداد. الشحن الجوي والبحري المتكامل. الخدمات الرقمية لتتبع وإدارة البضائع. ويؤكد مجلس التنمية الاقتصادية أن منطقة البحرين اللوجستية تمثل مركزًا متعدد الوسائط للخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة وإعادة التصدير، فيما تستفيد المملكة من قربها من الميناء والمطار والأسواق الخليجية. الأزمة تخلق منافسة خليجية جديدة لكن الفرصة البحرينية لا تأتي من دون منافسة. فالسعودية تعمل على تعزيز موانئها على البحر الأحمر وتطوير بنيتها اللوجستية، بينما تستثمر الإمارات في موانئها الشرقية وفي قدرات التخزين والمناولة، في حين تمتلك عُمان ميزة جغرافية مهمة من خلال موانئ تقع خارج منطقة الخليج المباشرة. وبحسب «رويترز»، أدت اضطرابات هرمز إلى تسريع الاستثمارات الخليجية في الموانئ وخطوط الأنابيب والمسارات البديلة، مع اتجاه دول المنطقة إلى تقليل اعتمادها على المضيق وتعزيز مرونة شبكات التجارة والطاقة. وبالتالي فإن البحرين لا تدخل سوقًا خالية من المنافسين، بل تدخل سباقًا خليجيًا جديدًا على المرونة اللوجستية. السعودية هي مفتاح المعادلة وتزداد أهمية هذا السباق بالنسبة للبحرين بسبب السوق السعودية. فالقرب من المنطقة الشرقية يمثل ميزة لا يمكن تجاهلها، خصوصًا مع تطور الربط البحري بين الدمام والبحرين، إلى جانب شبكة الطرق الحالية عبر جسر الملك فهد. كما أن مشروع جسر الملك حمد المخطط له، والذي يتضمن ربطًا مع شبكة السكك الحديدية الخليجية، يمكن أن يضيف مستقبلًا بعدًا جديدًا لحركة البضائع بين البحرين والسعودية، ويعزز تكامل المملكة مع شبكات النقل الإقليمية. ويضع مجلس التنمية الاقتصادية هذا المشروع ضمن مشروعات البنية التحتية التي يُتوقع أن تعزز التجارة والربط الإقليمي.   هل تستطيع البحرين اقتناص الفرصة؟ الإجابة هي نعم، ولكن بشرط. فالظروف الحالية تمنح البحرين فرصة لتعزيز موقعها في خريطة التجارة الخليجية، لكنها لا تجعلها تلقائيًا مركزًا بديلًا لموانئ المنطقة.الفرصة الحقيقية تكمن في بناء نموذج مختلف يقوم على التكامل وليس المنافسة بالحجم. بمعنى أن البحرين يمكن أن تستفيد من ميناء خليفة بن سلمان، والمطار، ومنطقة البحرين اللوجستية، وجسر الملك فهد، والربط البحري مع الدمام، لتقديم خدمة متكاملة للشركات التي تبحث عن مسار مرن وسريع للوصول إلى السوق السعودية والخليجية. وهنا يمكن أن تتحول المملكة من مجرد محطة في سلسلة النقل إلى منصة لإدارة جزء من سلسلة الإمداد نفسها. هرمز قد يكون نقطة تحول الأزمة الحالية قد تنتهي، وقد تعود حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى مستوياتها الطبيعية، لكن الدرس الاقتصادي الذي ستخرج به الشركات والحكومات قد يبقى طويلًا: لا يمكن بناء سلاسل إمداد مرنة على الاعتماد الكامل على ممر واحد. ولهذا تتجه دول الخليج إلى تنويع طرق التجارة والطاقة، بينما تبحث الشركات العالمية عن موانئ ومسارات بديلة يمكن استخدامها عند الأزمات. وبالنسبة للبحرين، فإن هذه التحولات تفتح سؤالًا اقتصاديًا مهمًا: هل تستطيع المملكة أن تستثمر سنوات من العمل في تطوير البنية التحتية اللوجستية لتحويل موقعها الجغرافي من ميزة كامنة إلى قيمة اقتصادية فعلية؟ المقومات موجودة: ميناء خليفة بن سلمان، مطار دولي حديث، مركز البحر–الجو، منطقة لوجستية، قرب شديد من السوق السعودية، وربط بحري مباشر مع الدمام. ويبقى التحدي في تحويل هذه العناصر من مرافق منفصلة إلى منظومة تجارية ولوجستية متكاملة قادرة على جذب مزيد من حركة إعادة التصدير والتخزين والتوزيع والخدمات ذات القيمة المضافة. وفي حال تحقق ذلك، فإن اضطرابات هرمز لن تكون بالنسبة للبحرين مجرد مصدر للمخاطر وارتفاع تكاليف الشحن، وإنما قد تتحول أيضًا إلى نافذة لإعادة تموضع المملكة على خريطة التجارة والخدمات اللوجستية الخليجية.

إقرأ المزيد