د. زينب الطريف: السكلر ليس قضاءً حتميًّا بالوفاة المبكرة.. والمتابعة المنتظمة مفتاح إطالة العمر
البلاد برس -
أثارت حالة مريض بحريني مصاب بفقر الدم المنجلي مع بيتا ثلاسيميا، ويبلغ من العمر 71 عامًا، اهتمام الدكتورة زينب عبد الله الطريف، طبيبة العائلة، بعد مراجعته مركز البديع الصحي، نظرًا إلى استقرار وضعه الصحي رغم تقدمه في العمر، في حالة تُعد نادرة، إذ يتراوح متوسط أعمار مرضى فقر الدم المنجلي عادةً بين 40 و60 عامًا، مع الالتزام الصارم بالعلاج والمتابعة المنتظمة. وقررت الدكتورة زينب، بالتعاون مع الطبيبتين د. مروة مهدي الكليتي ود. صفاء مهدي الكليتي، تسليط الضوء على هذه الحالة العلمية، وإعداد تقرير عن هذه الحالة الطبية بعد تعاون المريض في تزويد الفريق البحثي بتاريخه الصحي والبيانات الطبية اللازمة لإعداد الدراسة، التي تسلط الضوء على إمكانية الوصول إلى عمر متقدم مع المرض عند الالتزام بالرعاية الطبية الشاملة، ولا سيما الرعاية الوقائية في المركز الصحي. وأظهرت الدراسة أن المريض تميّز بمسار مرضي مستقر نسبيًّا على مدى سبعة عقود، مع قلة نوبات الألم وعدم تعرضه لمضاعفات شديدة، مثل متلازمة الصدر الحادة أو السكتة الدماغية أو نخر العظام، مع احتفاظه باستقلاليته في ممارسة أنشطة الحياة اليومية. كما بيّنت أن طول العمر لدى مرضى السكلر لا يعتمد على التركيبة الوراثية وحدها، بل يتأثر بشكل كبير بالرعاية الوقائية والمتابعة المنتظمة. ولمزيد من التفاصيل حول هذه الحالة النادرة، التقت « صحتنا في البلاد» بالدكتورة زينب الطريف، طبيبة العائلة ومعدة الدراسة، وكان هذا اللقاء: سبب توثيق الحالة قالت د. زينب طريف المشرفة على الدراسة في لقاء خاص مع “صحتنا في البلاد” أن السبب الرئيسي لتوثيق هذه الحالة ونشرها علميًّا هو بقاء المريض على قيد الحياة حتى العقد السابع من العمر (71 عامًا) رغم إصابته بمرض فقر الدم المنجلي وبيتا ثلاسيميا (Sickle-β⁺-thalassemia)، إذ يُعد الوصول إلى هذا العمر أمرًا غير شائع ونادرًا في هذا النمط الجيني من المرض. إضافة إلى ذلك، تميّزت حالته بقلة نوبات الانسداد الوعائي، وانخفاض معدلات دخول المستشفى، وخلو سجله الطبي تمامًا من المضاعفات الشديدة والمهددة للحياة، مثل متلازمة الصدر الحادة، والسكتة الدماغية، والنخر اللاوعائي للعظام. حالة نادرة وأكدت أن الدراسات السابقة كانت تشير إلى أن متوسط العمر المتوقع لمرضى السكلر يقتصر على العقدين الرابع والخامس. وعلى الرغم من أن نمط (Sickle-β⁺-thalassemia) يُعد أقل حدة من النمط المتماثل (HbSS)، فإن البقاء على قيد الحياة حتى سن 71 عامًا يظل حالة استثنائية ونادرة عالميًّا. وتكمن استثنائية الحالة في نجاح المريض في الحفاظ على استقلاليته وقدرته البدنية وممارسة أنشطة الحياة اليومية، مع المحافظة على وظائف الأعضاء، كالكلى والكبد والقلب، إذ بلغت نسبة كفاءة عضلة القلب 60 %، رغم تقدم السن وإصابته بأمراض مزمنة أخرى مرتبطة بالشيخوخة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وارتفاع دهون الدم. عوامل الاستقرار النسبي وأشارت إلى أن المسار المرضي المستقر نسبيًا على مدى سبعة عقود، مع قلة نوبات الألم وعدم تعرضه لمضاعفات خطيرة، يعود أولًا إلى العامل الجيني، إذ إن نمط (Sickle-β⁺-thalassemia) يسمح بوجود نسبة من الهيموغلوبين الطبيعي HbA تبلغ 24.2 %، والهيموغلوبين الجنيني HbF بنسبة 14.3 %، ما يقلل من تنجل الكريات الحمراء في الدم والانسدادات الوعائية التي تؤدي إلى النوبات. وثانيًا، التدخلات الوقائية والعلاجية، والمتمثلة في التزامه التام بالعلاج الوقائي بالبنسلين وتلقي التطعيمات اللازمة، إلى جانب المتابعة المنتظمة في العيادات التخصصية لمرضى فقر الدم المنجلي بالمركز، وعيادة علاج الأمراض المزمنة الأخرى. الرعاية الوقائية والمتابعة المنتظمة عامل حاسم وبيّنت أن هذه الحالة توضح أن النمط الجيني ليس المحدد الوحيد لمصير المريض، بل إن الرعاية الوقائية والمتابعة الطبية المنتظمة تمثلان عاملًا حاسمًا ومكافئًا للعوامل الوراثية. فالعوامل الوراثية توفر الأساس البيولوجي لشدة المرض، إلا أن الرعاية الشاملة، والالتزام بالتطعيمات، والمضادات الحيوية الوقائية، والمتابعة الدورية، كفيلة بتعديل مسار المرض وتجنب المضاعفات الفتاكة الناجمة عنه. إجراءات ما بعد استئصال الطحال ونوّهت أن استئصال الطحال يرفع من خطورة الإصابة بالعدوى الناتجة عن البكتيريا المكبسلة (Encapsulated Organisms)، والتي قد تكون شديدة ومهددة للحياة. وتكمن أهمية هذه الإجراءات في تقليل خطر الإصابة بعدوى بكتيريا المكورات الرئوية الشديدة من خلال تناول دواء البنسلين الوقائي (Penicillin V)، كما تلعب التطعيمات دورًا أساسيًّا في الحماية من العدوى التي قد تكون مميتة لمريض فقر الدم المنجلي. وتشمل هذه التطعيمات جرعات اللقاحات المضادة للمكورات الرئوية (Pneumococcal)، والمكورات السحائية (Meningococcal)، والإنفلونزا المستدمية، بالإضافة إلى لقاح كوفيد-19. ونلاحظ أن المريض قد توفرت له حماية مناعية كاملة، حمته من نوبات التجرثم الدموي والوفاة الناتجة عن غياب الطحال طوال 20 عامًا بعد الاستئصال. أبرز جوانب الرعاية الوقائية لمرضى السكلر وأشارت إلى أن أهم جوانب الرعاية الوقائية التي يحتاج مرضى السكلر إلى الالتزام بها لتقليل المضاعفات على المدى الطويل، بناءً على الحالة الموثقة، تتمثل في الالتزام التام بالمضادات الحيوية الوقائية، ومنها البنسلين، خاصةً لمن خضعوا لاستئصال الطحال، وأخذ التطعيمات المقررة بانتظام، مثل لقاحات المكورات الرئوية والسحائية واللقاحات الموسمية والطارئة، والمتابعة الدورية والمستمرة في عيادات السكلر المتخصصة وعيادات الأمراض المزمنة، وإجراء الفحوصات والإجراءات الوقائية الدورية للمضاعفات، مثل فحص الشبكية والعين، إلى جانب التحكم الدقيق والسيطرة على الأمراض المصاحبة، مثل ضغط الدم والسكري والدهون. مفهوم خاطئ وأوضحت وجود مفهوم خاطئ لدى بعض مرضى السكلر، حيث يقتصر فهم البعض منهم على معالجة الأعراض الحادة، مثل نوبات الألم، عند حدوثها، دون الالتزام بالخطط العلاجية طويلة المدى. ونوّّهت إلى إمكانية تغيير هذا المفهوم من خلال تثقيف المرضى بأن مرض السكلر يتسبب في أضرار تدريجية للأعضاء حتى في غياب الألم، والتوعية بالدور الحاسم للرعاية الوقائية والمتابعة الشاملة والتثقيف الصحي في مراكز الرعاية الأولية، وأهمية المتابعة الدورية لدى عيادة السكلر التخصصية في المركز، إلى جانب إبراز النماذج والناجين، كحالة هذا المريض، للتأكيد على أن المتابعة المستمرة تقي من التدهور والوفاة المبكرة. عوامل مهمة حافظت على صحة المريض ولفتت إلى أن متابعة هذه الحالة كشفت عن عوامل أساسية لعبت دورًا مهمًا في المحافظة على صحة المريض واستقلاليته، تمثلت في المتابعة الدقيقة للأمراض المزمنة والسيطرة عليها، ومنها السيطرة الممتازة على مرض السكري، حيث بلغ مستوى HbA1c (السكر التراكمي) 6.5%، وكذلك ضغط الدم ونسبة الدهون، اللذان كانا ضمن المعدلات الطبيعية، وذلك من خلال الالتزام بالأدوية المناسبة، إلى جانب نمط الحياة النشط، حيث استمر المريض في المحافظة على نشاطه البدني واستقلاليته الكاملة في أنشطة الحياة اليومية، فضلًا عن الدعم الاجتماعي والعوامل الديموغرافية، المتمثلة في الدعم المتلقّى من طبيب العائلة والطاقم الطبي، وسهولة الوصول إلى الرعاية الصحية، والدعم الاجتماعي، والتثقيف المستمر. ما تعلّمه الأطباء ومقدمو الرعاية الصحية من الحالة ولفتت إلى أن ما يمكن أن يتعلمه الأطباء ومقدمو الرعاية الصحية من هذه الحالة هو الدور المهم لطبيب الأسرة والرعاية الصحية الأولية المتكاملة، إذ إن الإدارة الناجحة لمرض السكلر لا تقتصر على عيادات أمراض الدم التخصصية فحسب، بل تبدأ وتستمر في المراكز الصحية الأولية عبر الرعاية الوقائية. وثانيًا، الإدارة المتكاملة للأمراض المزمنة، حيث تبرز ضرورة دمج متابعة الأمراض المزمنة، كالضغط والسكري، مع رعاية مريض السكلر للحد من خطر اعتلال الأعضاء. وأخيرًا، عدم الاعتماد على الشدة الجينية فقط، إذ إن النهج الشامل والتكاملي للعناية بالمريض (Multidisciplinary Approach) قد يغير من طبيعة المرض ونتائجه على المدى الطويل (Prognosis)، حتى لدى الأنماط الجينية الشديدة. المتابعة المنتظمة مفتاح إطالة العمر وأكدت أن توثيق حالة هذا المريض أظهر أن المتابعة المنتظمة في عيادة متخصصة لمرضى السكلر داخل المركز الصحي، إلى جانب عيادة الأمراض المزمنة، شكّلت حجر الزاوية في الاكتشاف المبكر للمضاعفات، وتطبيق البروتوكولات الوقائية، وتسهيل تقديم الرعاية متعددة التخصصات، مما انعكس مباشرةً على تحسين جودة الحياة وإطالة أمد البقاء. السكلر ليس قضاءً حتميًّا بالوفاة المبكرة واختتمت حديثها بتوجيه رسالة للمرضى، قائلةً: «مرض السكلر ليس قضاءً حتميًا بالوفاة المبكرة أو العجز، بل هو مرض مزمن يمكن السيطرة عليه والتعايش معه بسلام. والوصول إلى عمر 71 عامًا مع الحفاظ على النشاط والاستقلالية يُعد نموذجًا حقيقيًا للأمل، ويثبت أن الالتزام التام بالخطة العلاجية، والتطعيمات، والمضادات الحيوية الوقائية، والمتابعة الدورية، يغيّر تمامًا مجرى المرض ويمنح المريض حياة طويلة وصحية».

إقرأ المزيد