إدخال البورد العربي بـ “السلمانية” أكبر إنجازاتي.. وأسست قسم الجلدية بجهود شخصية
البلاد برس - 3/1/2026 3:18:06 AM - GMT (+3 )
البلاد برس - 3/1/2026 3:18:06 AM - GMT (+3 )
أثناء دخولك مبنى العيادات في مجمع السلمانية الطبي، تستوقفك لافتة «قسم الأمراض الجلدية» بين لافتات الأقسام المتزاحمة في الممرات. وهي ليست لافتة عادية؛ فحروفها لم تكتب إلا بعد كفاح وجهد دؤوب، ووراءها قصة رجل نذر نفسه لهذا التخصص، وحفر في الصخر حتى تأسس هذا القسم وارتفعت هذه اللافتة. إنه د. خليل العريض، مؤسس وأبو قسم الأمراض الجلدية، وأول طبيب جلدية في البحرين. ذلك الرجل العصامي الذي صنع ذاته بنفسه، في رحلة بدأها سائق شاحنة مع والده، ثم حفارا في آبار النفط، ينزل الأنابيب ويخرجها، ويعمل وسط التراب والطين ولهيب الشمس في مهنة شاقة، ليوفر تكاليف دراسة الطب. فمن جامعة الإسكندرية، إلى التخصص في الأمراض الجلدية في المملكة المتحدة بجامعة لندن، حتى عودته حاملا البورد الأميركي بعد سنوات الزمالة في الجامعة الأميركية في بيروت، ليكون أول طبيب جلدية في البحرين، رسم ملامح عهد جديد، وأسس قسم الجلدية الذي يعده امتيازا خاصا به. كما أدخل نظام البورد العربي في مجمع السلمانية الطبي، وهو الإنجاز الأقرب إلى قلبه. وساهم في ابتعاث الكثير من الأطباء للتخصص، وواصل التدرج الوظيفي فأصبح نائبا لرئيس الأطباء، ثم الوكيل المساعد للمستشفيات، قبل أن يترك «السلمانية». وكانت ثمرة جهوده أن البحرين أصبحت تضم اليوم عشرات أطباء الجلدية الذين تتوزع عياداتهم في مختلف أنحاء البلاد، من بينهم ابناه الدكتورة مرسال والدكتور وسام. وفي لقاء خاص مع «صحتنا»، يروي د. خليل العريض، استشاري الأمراض الجلدية، حكاية البدايات مع طب الجلدية في البحرين… وهذه تفاصيل اللقاء.
تحدث عن بداياتك في التخصص في الطب؟
في بداياتي لم تكن المرحلة الثانوية مكتملة في البحرين، إذ كان التعليم يتوقف عند الأول الثانوي، ولم يكن «التوجيهي» متاحا آنذاك.
بدأت تعليمي في مدرسة الغربية، ثم في مدرسة أبو بكر الصديق للمرحلة الابتدائية، وانتقلت بعدها إلى المدرسة الثانوية في المنامة بمنطقة القضيبية قرب القصر القديم. وبعد تخرجي لم تكن هناك ثانوية مكتملة، ولم يكن لدي مصدر مالي يتيح لي مواصلة الدراسة، فعملت في شركة نفط البحرين (بابكو) حفارا في آبار النفط. كنت أنزل الأنابيب وأخرجها، وأعمل وسط التراب والطين في مهنة شاقة، لكنني كنت أحب العمل، وكنت أنوي التخصص في الحفر.
وعندما فتح «التوجيهي» تركت العمل وعدت إلى مقاعد الدراسة، ومنها انطلقت في مسيرتي حتى تخصصت في طب الأمراض الجلدية.
بعد ذلك سافرت للدراسة في الخارج بمجهود شخصي، بعدما ادخرت المال اللازم. في تلك الفترة كان يسمح بتحويل الأموال إلى جمهورية مصر العربية، فكنت أحول مبالغ إلى البنك الأهلي هناك وأودعها إلى حين سفري.
كنت أجمع المال من عملي في شركة نفط البحرين (بابكو)، كما عملت سابقا سائق شاحنة، وكان والدي، رحمه الله، يمنحني راتبا شهريا، فكنت أوفر جزءا منه وأحوله إلى القاهرة.
كنت أخطط بإصرار، ولدي أمل كبير في الدراسة في مصر، التي كانت تعرف آنذاك باسم جمهورية مصر العربية في فترة اتحادها مع سوريا.
بعد وصولي إلى القاهرة، وكان لدي رصيد قد ادخرته هناك، اتجهت مباشرة إلى دراسة الطب في الإسكندرية.
أودعت أموالي في صناديق التوفير، وكنت أسحب منها مصروفي الشهري؛ وكانت 20 جنيها آنذاك تكفيني لفترة طويلة من سنوات الدراسة، إلى جانب ما كان يرسله الأهل أحيانا من دعم مالي.
أنهيت دراسة الطب العام، ثم عدت إلى البحرين في أغسطس بالعام 1969، وعينت للعمل في مركز النعيم.
وكيف كان واقع تخصص طب الجلدية في البلد قبل أن تكون أول طبيب متخصص؟
تخرجت من كلية الطب في جامعة الإسكندرية، ثم التحقت بوزارة الصحة التي كانت تعرف آنذاك باسم إدارة الصحة العامة، وذلك بالعام 1969. عينت في مركز النعيم الطبي، وهو المركز الصحي نفسه القائم حاليا، وكنا ننتقل إلى مختلف قرى البحرين مثل جد حفص، كرزكان، عالي، جو، وعسكر وغيرها، برفقة طبيب واحد وممرضين وكاتب، لمعاينة المرضى.
في تلك الفترة كانت طبيعة الأمراض تختلف عما هي عليه اليوم؛ إذ كانت معظم الحالات تتمثل في ارتفاع الحرارة، والسعال، والالتهابات الجلدية، والتهابات فروة الرأس، وتساقط الشعر، والإسهال. وكانت معظم الأمراض الجلدية ذات أسباب فطرية أو بكتيرية، إلى جانب بعض الحالات التحسسية مثل الإكزيما. وكانت الإكزيما والصدفية تشكلان نسبة كبيرة من الحالات، وكنا نعالجها بالأدوية الموضعية وأشعة الشمس، مع نصح المرضى بالتعرض للشمس، وكانت الاستجابات جيدة.
كان الناس يولون اهتماما ملحوظا بصحتهم في تلك المرحلة بين العامين 1969 و1970، وذلك قبل تخصصي في الأمراض الجلدية. آنذاك كان هناك جناح خاص في المستشفى الأميركي، ومازال قائما حتى اليوم، يعنى بعلاج الأمراض الجلدية، حيث كان المرضى يعاينون على أسرّتهم بمختلف الحالات الجلدية. ولم يكن في البحرين آنذاك مستشفى متخصص في الجلدية، ولا طبيب متخصص في هذا المجال.
لماذا اخترت طب الجلدية، وكيف أنجزت هذا الحلم؟
من واقع عملي ومسؤوليتي لاحظت أنه لا يوجد طبيب متخصص في الأمراض الجلدية؛ فجميع الأطباء كانوا عموميين، وهذا ما منحني الدافع لاختيار هذا التخصص وسد هذا النقص.
لم أمكث طويلا بعد عودتي؛ ففي العام 1971 سافرت إلى المملكة المتحدة للتخصص في الأمراض الجلدية بجامعة لندن، وتدربت في مستشفى سان جونز، حيث حصلت على دبلوم في الأمراض الجلدية، إذ لم يكن متاحا آنذاك سوى الدبلوم. ثم انتقلت إلى جامعة بيروت بالفترة 1972 - 1974، والتحقت ببرنامج الإقامة، وحصلت على البورد الأميركي.
عدت مباشرة إلى البحرين بالعام 1974، وكنت أول طبيب يلتحق بوزارة الصحة متخصصا في الأمراض الجلدية، وعينت في مجمع السلمانية الطبي. وكان د. علي فخرو آنذاك وزيرا للصحة، وكانت تربطنا به معرفة سابقة منذ عملنا في مركز النعيم عندما كان طبيب قلب. وقد عرف بدعمه للأطباء الراغبين في مواصلة دراستهم؛ وخلال زيارة له إلى إنجلترا أثناء دراستي هناك، عرضنا عليه وضعنا، إذ كنا ندرس على نفقتنا الخاصة، فوافق على تقديم مساعدة مالية قدرها 90 جنيها إسترلينيا، وكان لها أثر كبير في إتمام دراستي.
وعلى الصعيد الشخصي، واصلت تطوير خبرتي عبر المشاركة في مؤتمرات عديدة في دول الخليج وأوروبا والدول العربية والولايات المتحدة، وصولا إلى البرازيل. تحملنا المشقة وكنا غالبا نسافر على نفقتنا الخاصة منذ العام 1989 وحتى ما بعد التقاعد. ومازلت حريصا على حضور المؤتمرات، لاسيما مؤتمر دبي للأمراض الجلدية، إذ كنت من المؤسسين له، ومازلت أشارك فيه حتى السنوات الماضية.
حدثنا عن زياراتك للقرى وأبرز ذكرياتك منها، وكيف كان الوضع آنذاك؟
كنا نذهب إلى المراكز الصحية في مختلف قرى البحرين، وكانت المراكز آنذاك بسيطة؛ تتكون من حجرتين وصالة وغرفة علاج فقط. كنا نتحرك بفريق كامل مزود بالأدوية اللازمة: طبيب وممرض وممرضة، لنقدم الخدمة حيثما وجد المرضى.
من الأسماء التي لا أنساها الممرض حبيب غيث، المعروف بـ “دختر حبيب” في مركز النعيم، رحمه الله، وكان نشيطا ومجتهدا، وكان مسؤولا عن تحضير العيادات الخارجية ويتولى تجهيز السيارة بكل الاحتياجات الطبية قبل انطلاقنا. كان لي شرف العمل معه، فكنا نجوب القرى معا لخدمة الناس.
كنا نستقبل أعدادا كبيرة من المرضى، وكانت أكثر الحالات شيوعا الإسهال، والالتهابات البكتيرية والفطرية، إضافة إلى التهابات فروة الرأس التي قد تؤدي إلى الصلع، وبعض حالات الربو وأمراض النساء. وكان الجرب موجودا لكن بنسبة أقل.
كنا نخصص كل يوم لمنطقة معينة؛ أحيانا نبقى فترة في جدحفص، ثم ننتقل إلى البديع، أو إلى جو وعسكر، أو إلى عالي. كان المرضى ينتظرون وصولنا، لأنني كنت الطبيب الذي يصرف لهم الأدوية في المركز الصحي، ولأن الخدمات والمواصلات لم تكن متوافرة كما هي اليوم، وكان من الصعب عليهم الذهاب إلى مستشفى السلمانية أو إلى مركز النعيم الذي كان المركز الأساسي للعلاج.
كان مركز النعيم بسيطا؛ طاولة كبيرة تحيط بها كراس، يجلس عليها عدد من الأطباء، وكل طبيب يعاين مريضا إلى جانبه. ومن الأطباء الذين عملت معهم آنذاك: د. قريشي، د. سيد أحمد، د. منصور الحق، د. إسحاق كامل إسحاق، د. سيد أمين، وغيرهم، رحمهم الله جميعا. كنا نجلس جميعا على الطاولة نفسها ونعالج المرضى.
وفي السلمانية كان هناك مستشفى للنساء بقسم خاص، ثم هدم لاحقا. لم يكن في العام 1969 مستشفى متخصص للأمراض الجلدية، إلى أن أنشئ لاحقا قسم الجلدية في السلمانية، ثم افتتح قسم للجلدية في القطاع الخاص ملحق بالمستشفى ضمن قسم الباطنية.
تلك المرحلة بقيت عالقة في ذهني؛ كانت الخدمات محدودة، لكن روح العطاء كانت كبيرة، والإحساس بالمسؤولية تجاه الناس كان الدافع الأول في كل زيارة.
متى تأسس قسم الجلدية؟
أسست قسم الأمراض الجلدية بالعام 1974 بجهود شخصية كاختصاص مستقل، إذ لم يكن هناك آنذاك قسم مخصص للجلدية. وعند التحاقي بـمستشفى السلمانية في العام نفسه، لم يكن القسم قائما، فبادرت بتأسيسه. كانت البداية غرفة واحدة في المستشفى القديم، وما زال قائما حتى اليوم، تقع جهة اليمين بعد قسم الاستقبال، وهناك انطلقت مسيرة القسم قبل انتقاله لاحقا إلى مبنى السلمانية الحديث.
توسع العمل تدريجيا، وجلبنا أجهزة للعلاج الضوئي والعلاج بالنيتروجين، ما أسهم في علاج مختلف الأمراض الجلدية. بدأت بطبيب واحد في غرفة واحدة، واليوم يضم القسم أكثر من 25 إلى 30 طبيبا.
في البداية كان الحضور كبيرا، وكنا نحدد مواعيد لنحو 30 مريضا، يحضر منهم 15 إلى 20، ثم جرى تنظيم المواعيد فتحسن الالتزام وأصبح الإقبال أفضل.
وفي سنة عودتي نفسها افتتحت عيادة خاصة متواضعة من ثلاث غرف في شارع القصر القديم قرب مسجد البلوش.
عند تأسيس القسم كنت أعمل بمفردي، ثم انضم إلي د. الراحل محمود فضل لفترة، قبل أن يسافر إلى بيروت للتخصص في الأمراض الجلدية، وتبعه عدد من الأطباء الشباب الذين تخصصوا في هذا المجال. ومعظم أطباء الجلدية العاملين اليوم في العيادات الخاصة هم من خريجي الفترة التي توليت فيها رئاسة القسم.
والحمد لله، وفقنا في تخريج نماذج مشرفة في البحث العلمي والاطلاع الأكاديمي في مجال الأمراض الجلدية، ما أسهم في رفع مستوى الخدمات الطبية والعلمية في مستشفى السلمانية وفي البحرين عموما.
وما أبرز الإضافات التي أدخلتموها في طب الجلدية في السلمانية؟
أدخلت نظام البورد العربي لطب الجلدية في مجمع السلمانية الطبي، وكنت من الذين أسهموا في تأسيسه ضمن إطار المجلس العربي للاختصاصات الصحية، حيث وضع الأساس في دمشق نتيجة علاقاتنا كأطباء عرب، ثم أدرج ضمن تخصصات البورد العربي. لم يكن هذا النظام موجودا من قبل، وكان له دور كبير في تنظيم مسار التخصص في الأمراض الجلدية. وقبل مغادرتي السلمانية، كان عدد كبير من أطباء الجلدية قد أنهوا البورد العربي خلال الفترة التي توليت فيها المسؤولية، ويعد ذلك من أبرز إنجازاتي هناك. وقد حظي البورد العربي باعتراف واسع، وسهل على الأطباء العرب استكمال مسيرتهم العلمية في دول مختلفة.
كما أسهمت في استحداث علاجات حديثة، وتنظيم إدخال الحالات التي تستدعي التنويم بالمستشفى، وتوفير الأجهزة والعلاجات اللازمة، إلى جانب تدريب الكوادر التمريضية. وحرصت على ابتعاث عدد من الأطباء للتخصص في الدول العربية وبريطانيا والولايات المتحدة، بناء على توصيات رسمية مني، والحمد لله أثمرت هذه الجهود وجود عدد كبير من المتخصصين اليوم، ومنهم أبنائي الدكتورة مرسال والدكتور وسام، وهو ما أعتز به كثيرا.
وعلى الصعيد الأكاديمي، ساهمت في التدريس في جامعة الخليج العربي، وأعددت برنامجا للتعليم الطبي في الأمراض الجلدية خلال الفترة من 1980 إلى 1985 أثناء عملي في السلمانية. كما شاركت في تأسيس رابطة أطباء الجلد الخليجيين، ورابطة أطباء الأمراض الجلدية العرب في مطلع السبعينات، وكنت عضوا مؤسسا فيهما، وما تزالان تمارسان نشاطهما العلمي حتى اليوم. وكان لنا شرف استضافة مؤتمر بالعام 2002 في البحرين بمشاركة واسعة من مختلف الدول العربية. وتشرفت بالحصول على وسام الأمير الراحل عيسى بن سلمان آل خليفة من الدرجة الثالثة في العام 2000، تقديرا لإسهاماتي العامة والخاصة في المجال الطبي.
كيف ترى واقع طب الجلدية حاليا؟
شهد طب الجلدية تحولا كبيرا؛ إذ توسع نحو التجميل إلى جانب الأمراض الجلدية العلاجية، مع استمرار حالات مثل الصدفية والإكزيما والثعلبة والبهاق التي تتطلب علاجات فعالة. وقد ظهرت أدوية حديثة، منها البيولوجية، لكنها ما تزال مرتفعة التكلفة رغم دعم الحكومة لبعض المرضى وتحقيق نتائج جيدة.
كما دخلت تقنيات الليزر والإجراءات التجميلية بقوة، ما أحدث طفرة في التخصص. وأسهمت الجمعيات المهنية والاجتماعات الدورية وتبادل الخبرات بين الأطباء في تعزيز التعاون وتحسين مستوى الرعاية واختيار العلاج الأنسب للمرضى.
إقرأ المزيد
إقرأ المزيد


