الاقتصاد البحرينـي.. قراءة في أداء 2025 وسيناريوهات 2026
البلاد برس - 1/4/2026 2:58:22 AM - GMT (+3 )
البلاد برس - 1/4/2026 2:58:22 AM - GMT (+3 )
القطاع المالي والتأمين يتصدر محركات النمو بـ17 %
قطاع التشييد يحقق نموا معتدلا مدعوما بمشروعات البنية التحتية والإسكان
استقرار الأسعار والتضخم المنخفض يدعم الاقتصاد الكلي
2026 عام حاسم.. وسيناريوهات مختلفة للنمو والدين العام
الاستثمار الأجنبي المباشر يواصل صعوده ويعزز الثقة في الاقتصاد
البحرين حافظت على مستويات تضخم منخفضة
الصناعة التحويلية تساهم بـ 14.2 % معززة بمشروعات الألمنيوم والبتروكيماويات
اقتصاد المعرفة: نمو الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية 12 %
دخل الاقتصاد البحريني العام 2025 في سياق عالمي معقّد اتسم بتباطؤ النمو، وتشديد الأوضاع النقدية في الاقتصادات المتقدمة، وتراجع نسبي في أسعار الطاقة مقارنة بذروتها في السنوات السابقة.
وفي هذا المناخ، أظهرت البيانات الاقتصادية للبحرين قدرة على التكيّف، مدعومة بتوسع الأنشطة غير النفطية واستقرار القطاعات الإنتاجية والخدمية. غير أن هذا الأداء الإيجابي يخفي في طياته تحديات هيكلية عميقة، أبرزها استمرار الضغوط على المالية العامة، وارتفاع كلفة خدمة الدين، وتعقيدات ملف الدعم الاجتماعي، وكذلك تباطؤ نشاط العديد من قطاعات الأعمال، ما يجعل العام 2026 محطة مفصلية لتحديد المسار الاقتصادي متوسط الأجل.
أولا: ملامح الأداء الاقتصادي في 2025
أظهرت بيانات الربع الثاني من العام 2025 نموا حقيقيا للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.5 %، ليصل إلى 3,827.4 مليون دينار بحريني بالأسعار الثابتة. وجاء هذا النمو مدفوعا بشكل رئيس بالأنشطة غير النفطية التي نمت بنسبة 3.5 %، مقابل تراجع الأنشطة النفطية بنسبة 2.6 % نتيجة عوامل تتعلق بالإنتاج والأسعار.
ويؤكد هذا الأداء استمرار التحول الهيكلي للاقتصاد البحريني، حيث بلغت مساهمة الأنشطة غير النفطية 85.2 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يعكس نجاحا نسبيا لسياسات التنويع الاقتصادي، لكنه في الوقت ذاته يضع مسؤولية أكبر على هذه القطاعات في دعم الإيرادات العامة وخلق فرص العمل.
ثانيا: القطاعات المحركة للنمو
برز قطاع الأنشطة المالية والتأمين كأكبر مساهم في الناتج المحلي بنسبة 17 %، مدعوما بتوسع الخدمات المصرفية والتأمينية وتزايد أنشطة التكنولوجيا المالية. كما حافظت الصناعة التحويلية على وزنها الاستراتيجي بنسبة 14.2 %، مستفيدة من مشاريع الألمنيوم والبتروكيماويات.
وسجلت الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية نموا لافتا بنسبة 12 %، ما يعكس تحوّلا تدريجيا نحو اقتصاد قائم على المعرفة والخدمات المتخصصة. في المقابل، استمر قطاع التشييد في تحقيق نمو معتدل، مدعوما بمشروعات البنية التحتية والإسكان.
وعلى مستوى المساهمة القطاعية، تصدرت:
- الأنشطة المالية وأنشطة التأمين بنسبة 17.0 %
- الصناعة التحويلية بنسبة 14.2 %
- الإدارة العامة بنسبة 8.3 %
- التشييد بنسبة 6.4 %
ثالثا: التضخم والتوازن الخارجي
في وقت شهدت فيه العديد من الاقتصادات معدلات تضخم مرتفعة، حافظت البحرين على مستويات تضخم منخفضة، إذ سجل مؤشر أسعار المستهلك تراجعا بنسبة 0.6 %، وانخفض مؤشر أسعار المنتج بنسبة 10.2 %، ما يعكس استقرار الأسعار وتراجع الضغوط التكلفية.
وعلى صعيد القطاع الخارجي، حقق ميزان الحساب الجاري فائضا قدره 172.9 مليون دينار بحريني (نحو 3.9 % من الناتج المحلي)، بالرغم من انخفاض الصادرات الكلية بنسبة 8.9 %، وهو ما قابله نمو ملحوظ في الصادرات غير النفطية بنسبة 8.3 %، في إشارة إلى تحسن القدرة التنافسية لبعض القطاعات التصديرية.
رابعا: الاستثمار وسوق العمل
واصل الاستثمار الأجنبي المباشر مساره الصاعد، إذ بلغ 17.5 مليار دينار بحريني بزيادة 5.4 %، تركز أكثر من 65 % منه في قطاع الخدمات المالية. ويعكس هذا التدفق ثقة المستثمرين في البيئة التنظيمية والاستقرار المالي للمملكة.
وتوزع الاستثمار الأجنبي على النحو الآتي:
- الخدمات المالية والتأمين: 65.1 %
- الصناعة التحويلية: 13.3 %
- الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية: 5.9 %
وجاءت الكويت والسعودية والإمارات في مقدمة الدول المستثمرة.
وفي سوق العمل، بلغ عدد العاملين البحرينيين 156.4 ألف عامل، بمتوسط أجر شهري وصل إلى 895 دينارا، وهو مستوى يعكس تحسنا تدريجيا في الدخل، لكنه ما يزال يواجه تحديات تتعلق بتكلفة المعيشة وخلق فرص عمل نوعية مستدامة.
كذلك، ما تزال البطالة، خصوصا بين الشباب البحريني، تمثل أحد أبرز التحديات الهيكلية لسوق العمل. وتشير المؤشرات المتاحة إلى أن شريحة الداخلين الجدد إلى سوق العمل تواجه صعوبات حقيقية في الحصول على وظائف مستقرة وذات دخل مناسب، ما يخلق فجوة متنامية بين النمو الاقتصادي الكلي وبين قدرته الفعلية على توليد فرص عمل نوعية.
ويشير هذا الواقع إلى أن معالجة البطالة لا يمكن أن تقتصر على برامج التوظيف المباشر، بل تتطلب إصلاحا هيكليا متكاملا يشمل التعليم، وسياسات الأجور، وحوافز التوظيف، ورفع إنتاجية العامل البحريني.
خامسا: المالية العامة.. مكاسب جزئية وضغوط متراكمة
بالرغم من الجهود المبذولة منذ إطلاق برنامج التوازن المالي في 2018، ما تزال المالية العامة تواجه ضغوطا كبيرة. فقد ارتفعت الإيرادات غير النفطية من 489 مليون دينار في 2018 إلى 1.2 مليار دينار في 2024، بنمو تجاوز 147 %، في حين جرى تقليص المصروفات المتكررة بنسبة 12 % بين 2014 و2024. ومع ذلك، بلغ العجز الكلي في 2024 نحو مليار دينار بحريني، شكلت فوائد الدين العام 92 % منه (945 مليون دينار)، ما يعكس العبء المتزايد لخدمة الدين، وارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 109 %، وهي نسبة تضع البحرين ضمن الاقتصادات ذات المديونية المرتفعة.
سادسا: الدعم الاجتماعي
يُعد الدعم الاجتماعي بمختلف أشكاله أحد الأعمدة الأساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مملكة البحرين، إذ يشمل دعم الطاقة، والماء، والوقود، إلى جانب برامج التحويلات الاجتماعية. غير أن هذا الدعم بات يواجه ضغوطا متزايدة وتآكلا تدريجيا في أثره الفعلي على مستوى معيشة المواطنين، في ظل سلسلة من التعديلات السعرية التي طُبقت بالسنوات الأخيرة.
فقد أدى رفع أسعار البنزين، إلى جانب تعديل تعرفة الشريحة الثالثة للكهرباء والماء، إلى زيادة ملموسة في كلفة المعيشة، ليس فقط على الأسر محدودة الدخل، بل أيضا على الطبقة الوسطى التي باتت تتحمل جزءا متزايدا من أعباء الإصلاح المالي.
وتشير التقديرات إلى أن كلفة دعم الكهرباء والماء وحدها تتراوح بين 300 و400 مليون دينار بحريني سنويا، وهو ما يمثل عبئا ثقيلا على الموازنة العامة، خاصة في ظل ارتفاع كلفة خدمة الدين.
سابعا: المبادرات الحكومية
تشكل المبادرات الإحدى عشرة التي أُقرت في ديسمبر 2025 محاولة من الحكومة لمعالجة الاختلالات المالية. ويمكن تقدير أثرها المحتمل على النحو التالي:
- خفض المصروفات الإدارية بنسبة 20 % قد يوفّر عشرات الملايين سنويا إذا طُبق بكفاءة.
- زيادة مساهمات الشركات الحكومية تعزز الإيرادات غير النفطية قصيرة الأجل.
-فرض ضريبة بمقدار 10 % على إيرادات الشركات المحلية سوف يحقق دخل إضافي للميزانية.
- رفع أسعار البنزين سوف يحمل المستهلكين زيادات كبيرة، وكان من الأفضل التمييز بين الاستهلاك الفردي والاستهلاك التجاري في التسعيرات الجديدة.
- رسوم الصرف الصحي ومراجعة رسوم العمالة الأجنبية تمثل مصادر إيراد إضافية بدءا من 2026.
- تصحيح أسعار الغاز والوقود يحمل أثرا هيكليا مهما، لكنه يتطلب إدارة دقيقة لتفادي انعكاساته التضخمية، خصوصا على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
- رفع رسوم العمل على العامل الأجنبي سوف يسهم في توظيف العمالة الوطنية لكنه سوف يحدث عبء على المؤسسات الخاصة.
عموما، تمثل هذه المبادرات أدوات ضبط مالي أكثر منها أدوات تحفيز نمو.
ثامنا: سيناريوهات الاقتصاد البحريني في العام 2026
تشير المعطيات الاقتصادية المحلية والدولية إلى أن مسار الاقتصاد البحريني في العام 2026 سيظل مرتبطا بشكل وثيق بتطورات أسعار النفط، ومدى فاعلية المبادرات المالية التي أقرتها الحكومة، إضافة إلى أداء القطاعات غير النفطية، وقدرتها على امتصاص الصدمات وخلق فرص عمل مستدامة. وفي هذا الإطار، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسة:
أولا: السيناريو الواقعي
(60 - 70 دولارا للبرميل)
يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحا في ضوء التوازنات الحالية في أسواق الطاقة العالمية، حيث يفترض استقرار أسعار النفط ضمن نطاق متوسط يوفّر إيرادات كافية لتسيير الإنفاق العام دون تحقيق فوائض مالية كبيرة لكنه بالنسبة للبحرين يعد غير كاف لتحقيق فائض مالي.
في هذا المسار، يُتوقع أن يسجل الاقتصاد البحريني نموا يتراوح بين 2.8 % و3.2 %، مدعوما باستمرار توسع الأنشطة غير النفطية، خصوصا في القطاع المالي، والسياحة، والخدمات اللوجستية. وستسهم المبادرات الحكومية الإحدى عشرة في الحد من اتساع العجز، من دون أن تؤدي إلى تقليص جوهري للدين العام، الذي يُرجّح أن يبقى عند مستويات مرتفعة ولكن مستقرة نسبيا.
ثانيا: السيناريو المتفائل
(70 - 80 دولارا للبرميل)
يفترض هذا السيناريو تحسنا ملحوظا في أسعار النفط، مدفوعا بتعافٍ أقوى في الطلب العالمي أو استمرار ضبط الإمدادات من قبل المنتجين. وفي هذه الحالة، ستحصل المالية العامة على هامش حركة أوسع، يسمح بتقليص العجز بوتيرة أسرع، وربما تحقيق استقرار في نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي، أو خفضها بشكل طفيف.
اقتصاديا، قد يرتفع معدل النمو إلى نطاق 3.5 % - 4 %، مدعوما بزيادة الإنفاق الرأسمالي، وتسارع تنفيذ المشروعات الكبرى، وتحسن ملموس في قطاع السياحة، لاسيما سياحة الأعمال والمؤتمرات والفعاليات الرياضية. كما يتيح هذا السيناريو فرصة لتخفيف بعض الضغوط المعيشية، سواء عبر تحسين الخدمات أو إعادة توجيه الدعم بشكل أكثر عدالة.
ثالثا: السيناريو المتشائم
(نحو 50 دولارا للبرميل)
يقوم هذا السيناريو على افتراض تراجع أسعار النفط نتيجة تباطؤ اقتصادي عالمي أو زيادة في المعروض. وفي هذه الحالة، ستواجه المالية العامة ضغوطا حادة، مع اتساع فجوة العجز، وارتفاع الحاجة إلى الاقتراض، ما يضع الدين العام على مسار تصاعدي أكثر خطورة.
اقتصاديا، قد يتباطأ النمو إلى حدود 1.8% - 2.3 %، مع ضعف في زخم القطاعات غير النفطية، وتراجع محتمل في الاستثمار الأجنبي المباشر، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالطلب المحلي. كما قد يتأثر قطاع السياحة بانخفاض الإنفاق الاستهلاكي الإقليمي، ما يحد من قدرته على دعم النمو والتوظيف.
وبين الواقعية والطموح، يبقى العام 2026 عاما حاسما في رسم ملامح العقد الاقتصادي المقبل للبحرين.
إقرأ المزيد
إقرأ المزيد


